منصة ليلى الثقافية

صفحة البداية تسجيل الدخول آخر اﻷخبار المدونات مسابقة المنصة 2017

أتبرا الحبيب .. و النار

نهلة عبد الله إدريس

 

 

 

 

 

أَتْبَرا

الحبيب والنار

(رواية)

 

 

نهلة عبد الله إدريس

 

 

 

2018م

 

 

 

العنوان: أتبرا.. الحبيب والنار (رواية)

المؤلف: نهلة عبد الله إدريس

تصميم الغلاف: لبنى عصام

ترقيم الكتاب بالمكتبة: 180030231

صفحة الكتاب بالمنصة: https://laylacp.net/webaccess/book_view.php?id=180030231

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة ‫© 2018 منصة ليلى الثقافية

Copyright © 2018 Layla Cultural Platform (LCP)

(https://laylacp.net)

 

هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع اﻹبداعي نَسب المُصنَّف – غير تجاري – الترخيص بالمثل 4.0 دولي

Attribution-NonCommercial-ShareAlike 4.0 International

 

 

 

إهـــداء

 

إلى قارئ يحيا بنبض الكلمات ويتبعثر بين السطور

يتداوى بالأحرف ليشفى من داء لا يدري أين مكمنه،

هو فقط يعرف أنه ذات سطر ما ستهتف روحه "إنه أنا"..


 

الفهرس

الفصل الأول. 3

العاشق حسام 9

الفصل الثاني. 17

حسام والوداع. 25

الفصل الثالث. 27

الغريب سليم 35

الفصل الرابع 39

عبق المساء في عطبرة 43

الفصل الخامس.. 44

الراقصة 54

الفصل السادس.. 57

الزمن المثقوب. 59

الفصل السابع 63

الصورة الباهتة 67

الفصل الثامن. 68

الفصل التاسع 73

كذبتي الأولى. 78

اللـــقـــــاء 81

سليم و دهشة الموعد الأول. 83

الفصل العاشر. 93

عطبرة مرة أخرى. 96

وقد يفرح القلب. 99

 

 

الفصل الأول

في المساء دائماً ما يطاردني القمر ويلعب معي لعبة العبث بالذاكرة كيف تكون للذاكرة تلك القوة العجيبة في اختزال مكنوناتنا وتوجيهها إلى حيث تريد؟!
كيف للذاكرة أن تكون منصفة ؛ فكما تقودنا إلى مواطن الألم لا بد أن ترشدنا إلى ركن قصي فيها سكنه الفرح وما طالته يد الوجع بعد...!

يأتي إليّ المساء دائماً في ثوب الدهشة ؛ يلبس من الألوان أكثرها غموضاً وأناقة أيضاً يتسرب إلى الأفق رويدا رويدا ويُدخل السكون إلى الفضاء فتسكن معه الأرواح والقلوب؛ تتلاقى فيه النسمات مع أوراق الأشجار فيطربني حفيفها ذاك الصوت الذي يحكي وشوشة ناعمة ؛ فتوشوش الأحلام في داخلي:

``بأني هنا``

أبتسم لها في صمت وأشير بإصبعي إلى حيث خافقي وأخبرها: أنتي هنا أيضا"؛ فتستكين...

 

******

 

في هذه الليلة الباردة تشتد حمى الذكريات وينبض قلب الحنين كأنما أم تعاني مخاضاً عسيراً، تدفع بجنينها إلى الحياة فيأبى إلا أن يتشبث بعالمه الصغير، مع أنها كانت سعيدة بحملها، عاشت كل يوم منه كأميرة تنتظر الربيع لتتفتح الورود في شرفتها، ولكنها لا تتحمل أشواك هذا المخاض الآن.. الحنين مولود المساء وأشياء أخرى..

- ليلى.. ليلى!

-..............

- يا إلهي!! يجب أن أغلق النافذة حتى تسمعني، أنا أقف هنا منذ ساعة أتحدث إليك وبصرك معلق بالسماء، حسام يريد أن يراكِ إنه بالخارج...

- أخبريه أنني نائمة.

أرجو أن يتوقف حسام ابن خالتي عن الإصرار الدائم على رؤيتي، لست بحالٍ يسمح لي بمقابلة أحد ، أختي دائما ما تعلق على اهتمامه بي، وأنه ربما يكون معجباً بي بشكل خاص، وأنا لا أرى في اهتمامه إلا أخاً تربى معي منذ الصغر.
فتحت النافذة مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم أحدق من خلالها، استلقيت على فراشي مكتفية بالضوء الفضي الذي يرسله القمر على الغرفة وهي مظلمة، ورحت أغرق في الوسادة، يترقرق الدمع على حافة مقلتيّ ويتأجج الحنين في عمق وجداني..

عطبرة، مدينة ذكرياتي، حاضنة طفولتي والرحم الذي وُلد فيه حبي الأول والأخير ومات فيه أيضاّ..

كيف للمدن أن تغدو رحماً وقبراً في آنٍ واحد؟

أليس الرحم مشتق من الرحمة؟

لماذا لم تكن رحيمة مع حبي هذه العطبرة؟

ذاكرة أولى:

أركض نحو الباب و أمي تلاحقني بكوب العصير لئلا أخرج على معدة خاوية، تعللت بتأخري كالعادة متجاهلة توسلها.

ما إن فتحت الباب حتى وجدته أمامي، كاد أن يطرق الباب لولا أنني ظهرت فجأة أمامه، سأل عن أخي عمر وعما إذا كان مستعداً للخروج.

دلفت ثانيةً إلى المنزل وأخبرت عمر أن هناك من ينتظره وعدوت مسرعة في طريقي.. بخطوات واسعة أتجه إلى الكلية، طالبة مجتهدة، تتلخص حياتها حول درجات مكتملة وفخر أساتذتها، وكتب الأدب التي تغرق فيها.

قصـصُ ليلى وقيس بن الملوح، كثير عزة، المتنبئ و ولادة بنت المستكفي والروايات الأجنبية لأجاثا كريستي وغابرييل غارسيا ماركيز الروائي الذي تعبئ رواياته مكتبة والدي الصغيرة.

الكلمات تملأعالمي دهشة و شغفا يزداد يوماً بعد يوم، الشعر يغذّي خيالي فيجمح كالخيل في مضمار سباق بلا حواجز..

صديق أخي الجديد الذي التقيته صباحاً، كلما ذكر اسمه تردد والدتي:
- (
أريتو ولدي)!!

لا أدري لماذا أستمع إلى أحاديثهم عنه باهتمام ويقتلني الفضول لأتعرف بهذا الشاب الذي غدا واحداً من سكان بيتنا بسيرته ومدحه.

حتى جاءت والدتي ذات مساء إلى أخي تسأله عن سبب تأخره ؛

- كنت مع سليم يا أمي.

ابتسامة علت وجهها قائلة بأنها لا تخشى عليه مع هذا السليم.

قفز سؤال إلى فمي دون تردد:

- مين سليم دا؟

ضحك عمر بسخرية فما سليم إلا ذلك الغريب الذي التقيه كروتين صباحي، يطل بوجهه كلما فتحت باب منزلنا باكراً.

لُذت بصمت خارجي وداخلي يتحدث بصوت مرتفع، ولكنني صدقاً لم أره!..
نعم نلتقي ولكني لم أنظر إلى وجهه قط.. ما إن أفتح الباب وألمحه يقف بجانب الباب أنادي أخي وأذهب باتجاه معاكس لمكان وقوفه، يحييني دائماً أرد تحيته ووجهي إلى الأرض.

ذلك الصباح الذي تلا معرفتي إياه كان مختلفاً جدا، إذن فالغريب صديق أخي عمر اسمه "سليم" استيقظت وفي خاطري تلك اللحظة التي سأفتح الباب و يكون هو خلفه، أديت جميع طقوسي الصباحية بحماس زائد، وقفت في المرآة زمناً أطول من ذلك الذي استغرقه عادة لوضع خماري.

تأملت وجهي عدة مرات، غيرت من طريقة وضع الخمار، وضعتُ قليلا من مرطب الشفاه، ونظرت إلى الساعة فإذا بها تشير إلى موعد مغادرتي، انتفضت من مكاني بسرعة وقفزت قفزاً إلى الباب.

فتحته ببطء، وجدته واقفا كالعادة ولكن هذه المرة لم أدر وجهي انتظرت حتى ألقى عليّ التحية ورفعتُ بصري تلقاء وجهِه ورددت التحية وأنا ناظرةٌ إليه، إلى عينيه وملامحه..

أحسست بإرتباكة تعلو وجهه

لم أكن حقاً أدرك ما الذي جعلني أفعل ذلك!

هل أردت أن أرى مدى تطابق ملامحه مع حديث أسرتي عن طيبته وأخلاقه؟

ربما، ابتسم ابتسامة هادئة فأدرت وجهي عنه بسرعة وخرج صوتي مبحوحاً وأنا انطق اسم أخي ليخرج إليه، غادرت وبصري إلى الأرض، خوفاً ورهبة وحيرة، ما الذي فعلت؟!

كيف تجرأت وفعلت ذلك؟ ولماذا؟

سليم.. سليم.. سليم

إسم أنيق أليس كذلك، ومريح، لا يحتاج النطق به إلى عناء فقط أن تفرج عن شفتيك وتضمهما برفق.

لكن الإسم جميل فعلا، لا يوحي لك بأن من يحمله قد يتعرض لك بأي أذىً، أنه مشتق من س ل م كل توليفة لهذه الأحرف هي قمة في الأمن:

سلام، سِلْم، سَلامَة، مُسَالِم، مُسْلم

يا للغة العربية، ستصيبني بالجنون يوما ً، ها أنا أحدث نفسي..


كانت تلك اللحظة أمامه كافية ليكون التوتر رفيقي طوال اليوم، ولأول مرة يزدحم تفكيري ب(رجل) ويشتت إنتباهي حتى عن دراستي.

 

******

 

- ليلي محمود.!

- نعم يا أستاذ.

طلب مني الدكتور ناصر أن أعيد على مسامعه نص النظرية التي كان يشرحها طوال المحاضرة، فعجزت عن ذلك، كان شرودي فاضحاً، أصابني الحرج وارتفعت وتيرة التوتر إلى أعلى درجاتها.

بعد نهاية المحاضرة توجهت إلى مكتب الأساتذة لأقابل د.عبدالناصر الذي أحترمه كثيرا وأحب درسه وأعشق مادة الفيزياء العجيبة تلك وذاك الموقف يجعلني بنظره مستهترة ولا مبالية وهذا حتماً ما لا أريده أن يحدث.

جالس هو على مكتبه وأمامه كوب الشاي الذي لا يفارق يده أبداً طالما هو خارج القاعة:

- أعتذر منك دكتور فأنا....

- كنت أعلم أنك ستأتي لتعتذري فأنتِ طالبة مهذبة و مميزة، أريد أن أنبهكِ فقط كأخٍ كبير، ما يحدث معك خارج القاعة يجب أن يبقى هناك و كوني حاضرة بكل حواسك أنتِ في بداية الطريق وأتوقع منكِ الكثير، تبدين منزعجة! أرجو أن تكوني بخير، هل أنتِ مريضة؟

أووووه أشعر براحة كبيرة الآن، ولكن لماذا سألني عما إذا كنت منزعجة، وهل ما يحدث معي يفضحني إلى هذا الحد؟

هل أنا مريضة؟

به؟

لا لا ماهذه الأفكار الغريبة التي تدور برأسي.

وكلما ذكرتها بذلك تقول لي: لماذا إذن لا تقفين أمام الجميع وتطلبين منهم التوقف عن التحدث عنكما وعن إعجابه بك؟ أجيبها أنني لا أهتم لما يقولون، ولأنهم لا يعرفونني بقدرك، ارتفع صوتي محذراً إياها ومشدداً على ألا تضايقني بحديثها هذا، وهددتها أنني سوف أقاطعها تماما إن أعادته على مسامعي وكانت نبرة صوتي ترتفع مع كل كلمة.

أبدت دهشتها من عصبيتي الزائدة اليوم تجاه هذا الموضوع وحدة لهجتي معها إذ أنها ليست المرة الأولى التي نتجادل فيها بهذا الشأن.

مر ذلك اليوم بطيئاً، وظللت أترقب نهايته كمن ينظر إلى ساعة رملية بحجم ناطحة سحاب ويراقب حبات الرمل وهي تنزلق ببطء إلى الأسفل، أتجول بناظري بين الوجوه أرى شفاهاً تتحرك دون أن أسمع صوتاً، ولربما كانت أذني مشغولة بتلك العبارة "السلام عليكم، صباح الخير".

العبارة التي أسمعها يوميا من " غريبي " سليم

والتي لا أعرف حتى كيف رددتها عليه اليوم وكيف كان صوتي حينها، جميلاً ناعما، أم مرتبكا خجولاً، مترددا أم واثقا!.

 وما إن انتهى اليوم حتى عدت إلى المنزل وأنا مثقلةٌ بذاك الصباح وبصوته يتردد على أذني بلا انقطاع..

في اليوم التالي نهضت من الفراش بخفة، لا زال الآخرون يغطون في نوم عميق لا بد أنني استيقظت مبكرا عن العادة، ما يكفي للإستعداد لرؤيته مجدداً ذلك الغريب ما يكفي لأن أقرر هل سأنظر إليه اليوم أم سأمضي وبصري مطرق إلى الأرض، هل أضيف إلى حوارنا القصير كلمتين:

"كيف حالك؟".

أو كعادتنا؟..

يااااه يبدو أن الوقت لا يزال مبكراً جدا لم يستيقظ أحد بعد، لا يهم يمكنني أن أفعل أي شيء قبل الاستعداد للذهاب أن أبدأ بإعداد الشاي أو القهوة لأمي أو....... أو أن أعود إلى النوم!!!.

فإن اليوم جمعة.....!

أي لهفة للقاءه سكنت قلبك جعلت التقويم يتغير لديك؟!..

حسناً.. لن أعود إلى النوم.

لم يكن يوقظني قبلا بهذا الوقت المبكر إلا مذاكرة لامتحان أو حل مسألة معقدة..
شئ ما بحياتي يتغير.

سأطرد خواطري هذه لن تسيطر عليّ، ماذا سأفعل لن أستطيع العودة إلى النوم،
سأقرأ كتاباً.

تناولت كتاباً، أطلت النظر إلى الحروف دون أن أتبين أيا منها، تطل ابتسامته بين السطور.

يا إلهي إنني أتذكر كل شئ كما لو كان بالأمس، تلك الطالبة التي ألقى إليها الحب طعمه في لقاءٍ صباحي وابتلعته دفعة واحدة وأخذ الصياد يرفعها إليه ببطء..

كم يلزمنا من الوقت لندرك أن بإمكاننا أن نغرق بعيداً عن البحر في أعماق من نحب، أن نختنق بالهواء الذي يفصل بيننا وشخص آخر.

لقد اخترق جميع حواجز الحماية على جدار قلبي الذي جعلت الطريق إليه دائما وعراً متعمدة، هز عرش الثبات الذي كنت أتميز به بين رفيقاتي ممن كن قد خضن غمار الحب في وقت مبكر.

كنت كلما ازددتُ لهفة إليه ازداد حنقي عليه وغيظي، لما لا وهو لم يفعل شيئا ليفوز بقلبي الغالي، لماذا لم يكابد مشقة الطريق وفاز به بتحية وابتسامة، أي ورطة هذه يا غبية.

أدرت ظهري مبكراً لتلك المضغة التي تقبع يسار صدري، وألقمتها حجراً..

الحجر الذي تكسر من ابتسامة صباحية مباغتة منه، ألهذا يقولون عندما يقعون بالحب :

"فلان مكسرني"؟

ماذا فعل (سليم) كي أتكسر أنا والحجر الذي بقلبي؟ ما الذي رأيته منه حتى يأسرك لهذا الحد؟؟

تباً لهذا القلب..

كان هذا ما خلصت إليه حينها، تبت نبضات قلب لا تدرين متى تقرر الخفقان بالحب. لم أكن بعد أسميه حباً إنما هو في أي حال إحساس جديد لم يكن من قبل ضمن قائمة أحاسيسي، شيء عالق في الدواخل لا أستطيع كتمانه أو البوح به فهو لم ينضج بعد.

كثيرا ما راودتني تلك الأفكار عن أنني ربما أحببته قبل ذاك اليوم، من أحاديث أسرتي عنه، ومدحهم الدائم لأخلاقه، تهذيبه والقصص التي كان أخي يقصها علينا عنه وتفوقه في الجامعة، والتي دائما ما أستمع لها بانتباه حتى وان كان يوجهها لوالدتي.

نعم.. نعم هو ذاك

تعلقت به اسماً مليئاً بكل المعاني السامية التي تذكر عنه، اسمٌ ليس له صورة، وصورة ليس لها اسم، عنصران متعادلا التأثير تفاعلا معاً لينتجا مفاعلاً عاطفياً يهدد الأمن القومي لمملكتي..

أوووووه... يا للفيزياء.....

 

 

العاشق حسام

*****

تعيسٌ حظي أعترف، أسبوعٌ كامل ولا أستطيع رؤية ليلى، إما أنها نائمة أو خارج المنزل، أصبحت زيارتي لمنزلهم طقساً أمارسه نهاية كل يوم منذ علمت أنها قدمت إلى عطبـرة في إجازتها السنوية.

بعد أن غادرتها العام الفائت حين تم تعيينها بإحدى الصحف المرموقة بالخرطوم.
ليلى ابنة خالتي كانت ترسل بمقالاتها عبر الانترنت إلى صحيفة معروفة فتقوم بالنشر لها دوريا كل شهر، وعلى مدى عام وبعد أن اكتسبت شهرة واسعة بين القراء وأصبح عمودها مرغوباً حتى أن بعض القراء كانوا يرسلون برسائل اليكترونية يطالبون بالعمود بصورة أسبوعية، أدركت الصحيفة موهبتها الفذة وعرضت عليها وظيفة بمقابل مغري ككاتبة إضافة إلى تحرير الصفحة الأدبية لديهم وإجراء التحقيقات الإجتماعية.

كان هذا العرض بمثابة حلم لها تحقق أسرع مما كانت ترجو، لم تتردد في قبوله بالرغم من معارضة أخيها عمر ولكنها تشبثت برأيها كما يتشبث غريق بقشة، لطالما كانت طموحاتها تلامس عنان السماء، رسمت أحلامها بريشة ألوانها من ضوء القمر ولم يكن من الممكن أن تتخلى عن فرصة كهذه.

يوم أن جاءتني وأنا في فناء منزلنا يوم الجمعة أسقي حوض الزهور التي زرعتها هي مع أختي نور، جاءت تتهلل أساريرها حاملة بيدها الخطاب الذي أرسلته إليها الصحيفة:

- حسام، حسام -

- لولا -

- " كما أحب أن أناديها "

- وجهك يضيء فرحةً، ماذا هناك؟

- حاول أن تتوقع

- لا وقت لدي لأحجية يا " بنت " ..

قطبت جبينها ثم قالت:

- ألن تكُف عن لفظة "بنت" هذه!

هل تدري أن من تدعوها بنتاً قد أصبحت من أهم الكتّاب؟!

ضحكت ملء صوتي وأخبرتها أنها تتوهم الشهرة والأهمية لأجل مقالة صغيرة تُنشر لها كل شهر.

- عارف، أنا غلطانة إني جيتك اصلاً، وكدرت على فرحتي، إنت زي عمر أخوي واحد، ما واثقين في قدراتي، لكن أنا مؤمنة بنفسي وما حأهتم بي رأي أي واحد منكم . مع السلامة..

كنت أحب إغاظتها وأراقب انفعالاتها البريئة وأتمنى أن أقرص خدها المتورد غضباً وأداعب عيناها وهما على حافة الدمع ولكن لا أعلم لماذا كانت هذه المرة أكثر انفعالا وثورة، ثارت كالبركان وهي تخبرني أنني كدّرت فرحتها كما فعل أخوها عمر وأنها تثق بقدراتها وتؤمن بموهبتها ولن تهتم لرأي أحد يخبرها عكس ذلك.

حاولت أن أفهمها أنني أمزح معها رجوتها لتخبرني بما أتت لتقوله و لكنها ابتعدت عني تركض نحو الباب، ركضت خلفها واستوقفتها:

- لولا أنا آسف.

استدارت نحوي والدموع تنساب غزيرة على خديها النضرين، لا أدري ما الذي حدث لي ولكنني أحسست بشلل أصابني، تجمدت أطرافي ولم يقدر لساني على النطق، كيف تسببت لها بكل هذا الألم، لم أر دموعها بهذه الغزارة إلا يوم حادثة نور، هل كان كلامي مؤلما حقاً؟

أم أنه كان القشة التي قصمت دمع عينيها، أدركت أنها كانت مثقلة بما يكفي ولم تحتمل المزيد، معارضة عمر لذهابها جعلها هشة ضعيفة، فهي دائما ما تعتبره سندها وأمانها بعد أن تزوج والدها بأخرى وغادر عطبرة إلى بورتسودان.

والدها غادر عطبرة حيث أسس في بورتسودان عمله الخاص وافتتح سلسلة من الفنادق تدر عليه ثروة معتبرة، تزوج من أخرى بعد أن رفضت أم ليلى الانتقال معه بحجة أنها لا تستطيع ترك هذه المدينة وترك أختها المريضة " والدتي " وأنه إن أراد الاستثمار فلينشئ عمله الخاص هنا، كان يحب " أم ليلى " كثيرا ولكنه كان يمتاز بنفس الطموح الذي ورثه لابنته، حاول أن يقنعها بأنه في عطبرة لن يستطيع تحقيق مكاسب عالية تؤمن لأولاده حياة منعمة، ولأنها امرأة قنوعة أخبرته بأن ما سيجنيه سيكفيهم ويفيض فهم ليسوا متطلبون، زادت حدة النقاش بينهم في هذا الموضوع الذي استمر لأكثر من سنة، ولكنه حسم الأمر بقرار الرحيل على أن يزورهم من حين لآخر، وبعد ثلاث أعوام أصابه اليأس فيها من محاولة إقناع والدتها بالانتقال تزوج هناك، لم تطلب الطلاق ورضيت أن تكون على ذمته.

ولكنها منذ أن غادر وكسر ما بداخلها لم يلتئم، قوتها أخذت في التلاشي وذوت نضارتها شيئاً فشيئاً، كأنه كان ينفح عليها من حبه فتشع نضارة طوال تلك السنوات بقربه.

كانا ثنائيا قلما تجد مثلهما في ترابطهما يبدءان الصباح بتناول الشاي والقهوة وسط زقزقة العصافير كأنها تعزف لهما سيمفونية الشروق، و الزهور التي تملأ المنزل والتي كان حبها قاسماً مشتركا بينهما، ينتظران معرض الزهور السنوي بالخرطوم فيسافران ليجلبا أندر الشتلات وأجملها، يبتهجان بالعناية بها ويتسابقان لريها.

ترى السعادة تتطاير من أعينهما وهما يجلسان في الفناء بعد صلاة المغرب محاطين بكل هذه البهجة من الطبيعة يتناولان قهوتهما على مهل، يتحدثان فيها عن عمله وعن شئون أسرتهما وأحيانا عن السياسة وعن كل ما يجول بخاطرهما، ملأ حياتها به فكيف له أن يفرغها هكذا بذهابه، غدت كبالون تم وخزه بإبرة على غفلة..

منذ ذاك الوقت وليلى تقول دائماً:

" إن الحب وحده ليس بكافٍ لنشعر بالسعادة لا بد من دفع فواتير أخرى نشتري بها رضا الحب، الحب لن يرضى عنك إن لم تضحي ".

أما زلت ترددين قولك هذا؟ أم تغيرت أشياء بداخلك هناك في الخرطوم حيث التغيير سمة الأشياء والأشخاص.

أعشق ليلى حد الجنون، أدري أن رائحة العشق نافذة، أخشى أنها تسربت إلى أنفها مبكراً فتعمدت الاحتجاب عني، أشعر دائما بنظراتهم وهم يقولون لي إنها نائمة أن نظراتهم تريد إخباري شيئاً آخر:

" إنها لا تريد أن تراك.. "

ولكني أكذب إحساسي إلا إحساسا يهيم بها ويتقطع شوقا إلى محياها، تلك الفتاة مليئة بالحيوية كفراشة ملونة لا تمل التحليق فوق الزهور وترشف من عبيرها كما يحلو لها.

تشع الطاقة من حولها كهالة تحيط بالقمر، حين تعبر أمامي أحس أنني أختنق، فمرورها كافٍ لأن يسحب الهواء من محيطي فأتنفس شيئا ثقيلا لا يشبه الأوكسجين..

لا تغيب عن ناظري في جميع المناسبات الأسرية، أختلق الأعذار لأتحدث إليها، ويجن جنوني إذا رأيت شابا من أقاربنا يغازلها أو يمتدح مظهرها ولو على سبيل المزاح، تقتلني الغيرة ويتغير لون وجهي.

قوامها الفارع، ابتسامتها الرقيقة صوتها الدافئ، ثلاثية كافية لتدميري وشل حركتي تماما إلا من صدر يعلو ويهبط وقلب تتسارع دقاته يسبح بحبها دون ملل..

آه يا ليلى، في كل مرة أسمع فيها اسمك تشتعل النار في جسدي كل مقعد أجلس فيه كأنة قطعة من جهنم، ينهشني القلق من أنني قد لا أرك طوال مدة مكوثك هنا، أشتاق جلسة معك على تل رملي أو تحت ظل شجرة حانية أو ضفة نهر، أبثك فيها ما أجد من حبك، لكنني أعجز عن ذلك، سقف أحلامك المرتفع يردني خائباً، لي أحلامي أنا أيضاً وطموحاتي، أريد أن أرفرف بأجنحتي خارج هذا المكان كما فعلتِ، أمي المقعدة وأخي الصغير، الحبل الذي يقيدني، كتب على أن أحمل على عاتقي عواقب اختيار أمي الخاطئ لزوج سكير، لا يهمه سوى عب الخمر ومطاردة النساء، زوج يأتي ليلا ساحبا جسدا مثقلاً بالخمر والشهوة والشر، ويداً خفيفة تطال كل ما في طريقها وجه أمي ظهر أخي، و.. و.... وأختي " نور "..

ذلك الجسد الغض " نور" زهرة تفتحت على مهل، جمالاً ورقة، طفلة في الثانية عشرة من عمرها ولكن جسدها يحاكي شابة في العشرين، لعل ذلك ما جعلها مطمعاً لرغبات صديق والدي الذي كان يأتي إلى بيتنا محملاً بقناني المنكر هدية لوالدي مشترطاً عليه أن تقوم نور بخدمتهما، سقيا الماء، جلب الطعام وتنظيف الغرفة حتى يتثنى له التمتع بالنظر إليها ولمسها أحيانا، في حضور والدٍ لا يهمه سوى ما يحصل عليه في المقابل، يستغل غيابي الدائم وعودتي المتأخرة إلى ما بعد منتصف الليل، لم أكن أعلم بكل ما يحدث حتى تلك الليلة المشئومة.

فقد كنت حينها أعمل طاهياً في مطعم يقبع في سوقٍ وسط المدينة كي أستطيع تدبر معيشتنا، مستفيدا أيضا من فائض الطعام الذي أحمله بإذن من مالك المطعم لأمي وإخوتي ليسدوا جوعتهم، أسدد الفواتير وتكاليف دراستي فنور منعها والدي من الدراسة مبكرا وأخي حينها لا يزال صغيرا، وكنت غالبا عندما أعود من العمل أجدها غارقة في دموعها أضمها إلى صدري:

- مابكِ يا نور؟

تواصل نحيبها وتنظر إلى نظرات مهزومة ومن ثم تغوص في صدري طالبة الأمان، اعذريني حبيبتي الصغيرة، لم أكن أشعر بك، لم أستطع حمايتك من انتهاك برائتك بعيني ذئب والدي ويديه القذرتين..

كنت أظن يا عزيزتي أنك بدموعك تغسلين هموم يوم بيوم حتى لا تتكتل أحزان قلبك الصغير، كما أفعل أنا دون أن يراني أحد، كنت أظنك تبكين حرقة على يديك اللتين تمسكان المكنسة والمنفضة بدل أقلام أنيقة وردية، وأنامل تشتهي التلطخ بالألوان وهي ترسم بدل التلطخ بالطحين، وعيناك الجميلتان تشتاقان مطالعة الكتب بدل التدقيق في الإبرة وغزل "الكروشيه" الذي كان عليك أن تتعلميه لتساعدي والدتي وتضاعفان المكسب ليذهب إلى جيب السكير، أظل احتضنها إلى أن تهدا أصطحبها وأغسل وجهها ويديها، أيقظ والدتي وأخي الصغير فنتناول طعام العشاء سوياً..

لا تتركيني يا ليلى كما فعلت نور، لا تطفئي قلبي الذي غدا مظلما إلا من ركن تسكنينه لم تدركه الظلمة ولا الأحزان!

نور كانت تحبك أيضاً، تركض إليك كلما أكملت رسم لوحة، أو حفظ قصيدة من الكتب التي تهدينها إياها، كنت أقول لكي عن هذا الشعر أكبر من سنها، فتدفعين سبابتك إلى صدري من جهة الشمال إلى خافقي، حيث ذاك القلب المسكون بك وتقولين:

- ليس للحروف عمر، فالكلمات تخترقنا من هنا حيث القلب وهذا القلب لا يحتاج شهادة ميلاد تمنحه عمرا من أرقام، فهو يكبر بمقدار ما نغذيه به..

 لعل إصبعك حينها كان يغرس حرفاً من اسمك في كل مرة تفعلين ذلك حتى اكتمل بداخله وشماً لا يقبل الزوال..

ابتسم أنا مؤمناً على حديثك، فلا استطيع مواجهة الأحرف المتدفقة منك، تضحكين ثم تغادرينني ملجم اللسان، مثقلا بالعشق.

ما كنت لأقوى على الحياة لولاك بعد ما حدث لنور، أراها في عينيك وأشتم رائحتها في عطرك، آه يا نور يا طفلة طحنتها الأيام مبكرا سحبت منها الحياة شيئا فشيئاً حتى ذبلت ثم انقضت عليها لتكتمل مسرحية البؤس.

ذاك اليوم المشئوم عدت من الجامعة بدلت ملابسي وهممت بالخروج إلى العمل، نادتني نور من خارج الغرفة:

- حسام، هل أدخل؟

- أدخلي يا شقية.

كانت شاحبة الوجه، وباردة الملامح:

- أريد أن أطلب منك شيئاً هل تحضره لي، أعلم أنك تتحمل الكثير من النفقات ولكن ما سأطلبه زهيد الثمن.

- لا عليك صغيرتي، ماذا تريدين؟

سحبتها من يدها وأجلستها بجانبي وأخذت أربت بيدي على ضفيرتها المتدلية خلف ظهرهـا:

- أريد ألواناً ودفتراً للرسم، يخطر ببالي أحياناً أن أخبيء بعض ما أغزله مع أمي لأبيعه وأشتري ما أريد ولكنها سرقة أليس كذلك؟

أحسست بغصة تكاد تشق حلقي، ولعنت ضعفي وضيق ذات يدي، فضممتها إلى وقبلتها على خدها، أخبرتها أنني سأحضر لها كل أنواع الألوان و كلما امتلأ دفترها أحضرت غيره.

أخبرتني عن رغبتها في أن تقيم معرضاً حين تكبر و سأكون أول المدعوين إليه مع ليلى.

- أحبك أكثر من أبي.

قالتها وطارت إلى صدري بحيوية وأشرق وجهها، فرحت لأنها أخبرتني بما تريده وقلت لنفسي إنها ستكون بداية صداقتنا.

ياااه، لقد كبرت نور الآن أصبح لديها أحلام وأمنيات، قررت أنني سأخصـص لها وقتا من اليوم فصاعدا، ما بين عودتي من الجامعة وذهابي إلى العمل، سنتحدث عن كل شيء، دراستي وكيف أنني سأصبح طبيبا مهما وستكون لي عيادتي الخاصة، وعن مستقبلها في الرسم وأفكارها والكثير من الأشياء.

سأكون صديقها الذي تلجأ إليه حين تحس بالضيق، أدركت أنني قصرت في حقها، حين أجبرها والدي على ترك المدرسة ساءت حالتها النفسية كثيراً كنت مشغولاً عنها ولكن ليلى ساعدتها وأخذت بيدها، أخبرتها أنه بإمكانها أن تقرأ وتكتب حتى وهي في المنزل، صارت ليلى تجلب لها الكتب المدرسية لصفها وتساعدها على فهم ما يصعب عليها من دروس، حتى أنها كانت تعد لها اختبارات وامتحانات من فترة لأخرى، ولكنني سأبذل جهدي الآن لتكون سعيدة ومتفائلة ومقبلة على الحياة وألا تسمح لأي شيء أن يكسرها، سأعلمها كيف تكون قوية في وجه المصائب وتثبت في وجه الريح العاتية.

دارت كل تلك الأفكار برأسي وهي تعانقني لم أدر كم مر من الوقت ولكنني لم أشأ إبعادها لعلها كانت تدري أنه آخر عناق.

ودعتها وغادرت المنزل على دراجتي مسرعا نحو السوق، وقبل أن أصل إلى المطعم مررت بالمكتبة واشتريت لنور ما تريد، تأخرت عن موعدي في المطعم سأنال توبيخا حتما، لا يهم.

في المطعم وبينما كنت أطهو حساء العشاء، كنت أفكر في فرحة نور بالأشياء التي جلبتها، لم أدر أن الحياة كانت تطبخ لها حساء الغدرمتبلاً بطعم الدم.
يظل جزءاً مما حدث في ذلك اليوم غامضاً لا أحد يدري كيف بدأ ولكن النهاية كانت مشهداً مأساويا نلت شرف العرض الأول منه، وليت العمى أصابني قبل أن أرى ما رأيت.

عدت بعد منتصف الليل منهكاً، ما إن وصلت باب منزلنا حتى دب في جسدي نشاط مفاجئ، كنت مشتاقاً لتلك الصغيرة أختي، بحثت عن أمي أولاً أحييها وأضع الطعام بجانبها ريثما أنادي نور وأخي الصغير، وجدتها على سجادة الصلاة وهي تبكي بحرقة اقتربت منها وضعت ما بيدي وأمسكت بيديها:

- مابكِ يا أمي.

كان جسدها يرتعش بشدة وصوتها يخرج متقطعاً تقول إنها بخير، ولكن أطرافها ازدادت برودة فزاد إصراري على أخذها للطبيب.

- والدك يا حسام يحضر صديقه إلى المنزل في غيابك يجلسون للشرب حتى وقت متأخر، كلما هددت والدك بإخبارك قام بضربي وتهديدي بأن يطردني، ولكن سكوتي سيدمر نور.

- ليس هذا بجديد يا أمي ولكن ما دخل نور؟

كان والدي يصر على أن تقوم نور بخدمته وصديقه وتعود لأمي وهي باكيه وجسدها يرتجف وحينما تسألها تخبرها أنها مرهقة فقط.

حتى أخبرتها يوماً أن صديق والدي يمسكها من يدها وأحياناً................

لم أنتظر أن تكمل أمي جملتها وانطلقت خارج الغرفة كالسهم ولساني يطلق الشتائم كالقذائف وهي تلحق بي، اشتعلت النار في صدري وغَلى الدم في عروقي أصبحت أصرخ باسم نور كالمجنون، ركضت إلى الغرفة فوجدت أخي نائماً ولم تكن في سريرها، أمسكت أمي بيدي محاولة تهدئتي، وهي تصرخ وتترجاني أن أهدأ، لا يمكنها أن توقف بركاناً تتطاير حممه في كل اتجاه، ركضتُ نحو مجلس الرجال وأنا أشعر بأن الريح تدفع بي للوراء فلا أستطيع التقدم كأن قدميَّ عالقتان برمال متحركة وأصبحت المسافة كأنها أميال دفعت باب المجلس و.....

نوور..!!

نووور..!!

نورمسجاة على السجادة...ووجهها مغطىً بوسادة، خارت قواي و ما وجدت صوتي، أنادي باسمها لكنه لا يتجاوز حلقي أمد يدي لامسك بها ويدي متصلبة.
أمي كانت الأسرع إليها أزاحت الوسادة عن وجهها ووضعتها على فخذيها وهي تصرخ وتهذي وتصيح.

- نور يا بنتي نور يا نور عيني..

نور ماتت، ، نوووور ماتت..

كانت هذه آخر مرة أسمع فيها صوت أمي، أصيبت بالشلل بعد الحادثة، وفقدت القدرة على النطق.

جاء تقرير الطبيب الشرعي بأنه تم اغتصاب نور وأن الجاني وضع الوسادة على وجهها حتى لا يسمع أحد صرخاتها وأنها ماتت جراء الاختناق.

اختفى والدي وصديقه منذ ذاك اليوم، أبلغت الشرطة لتبحث عنهما وأنني اتهمهما بالجريمتين معا، لم يكن ذلك ليكفي فقد تركت دراستي وعملي أخرج صباحا ولا أعود إلا في المساء، أعود فقط لأطمئن على والدتي وأخي رغم أن والدة ليلى كانت ترعاهما في غيابي.

بحثت عنهما في كل الأحياء والقرى المجـاورة، جارنا وهو ضابط بالشرطة أخبرني أن أكف عما أفعله وأنهم يقومون بواجبهم وأكثر.

كيف لي؟ كيف لي ألا أفعل لقد كنت مشتركا بالجريمة، لقد غفلت عن دموعها كل ليلة، كيف لي مواصلة العيش دون أن أنال ممن اغتال براءة أختي واغتال حياتها، هل ستسامحني؟

هل ستغفر لي؟

نور يا وجعي وانكساري، يا طعنة سكين في فؤادي لا زالت مغروسة والدم ينزف، وسيظل.

نور لم ترسمي كما وعدتني، لم نخطط لمعرض رسوماتك ولم أسألك أين سأفتح عيادتي. نور يا صديقة فارقتني يوم أن صادقتها، يا حلماً لم يكتمل وكيف لي بعدك أن أحلم كيف لي أن أتمنى؟.

إيييييييييييه يانور..

تغيرت بعدك أشياء كثيرة، ولكن شيئاً واحدا ظل بقلبي يضيء لي ما تبقى من العمر حب ليلى..

ليلى كرياح تمر فتزيد النار استعارا وتمضي غير مبالية لما خلفته وراءها من دمار.. حتى بعد ما حدث بينها وبين سليم، لا يزال إحساسي تجاهها كأول يوم ولد فيه بقلبي، لم يتغير منه شيء.

ما كل تلك السطوة لعضلة بين الضلوع تجعلنا نتأرجح بين الأرض والسماء فلا وجدت أقدامنا موضعا لها على الأرض فثبتت ولا سكنا في السماء بجوار القمر..

 هل أراها اليوم؟ غداً؟ بعد غد؟

ليتني سألتهم هل يمكنني أن أراها وهي نائمة، ليتني طلبت أن ألمح فقط عينيها وهما مغمضتان وأتخيل أنها تحلم بي..

 

 

الفصل الثاني

الغريب:

أعلم أن اليوم ستظهر نتيجة ليلى للامتحانات النهائية للكلية كما أخبرني عمر، ذرعت الشوارع بين منازل الحي ذهاباً وإيابا في ظهيرة قائظة، أنتظر أن أسمع زغاريدا تنطلق من صوب بيتهم كعادة أهل المنطقة احتفالاً بنجاح أبنائهم.

ما إن سمعت خبر تفوقها حتى ذهبت إلى أقرب بقالة وابتعت علبتين من الحلوى وانضممت إلى وفود المهنئين، دخلت منزلهم قبل أختها التي ما زالت تبتاع بعض المشروبات الغازية لتقديمها للضيوف الذين غزوا منزلهم، كنت بينهم أبحث عنها بعينين زائغتين أين هي؟

باءت كل محاولاتي في رؤيتها بين الوجوه بالفشل، علت وجهي علامات الحزن والبؤس، ويمكنك أن تميز وجهي اليائس بكل وضوح بين وجوه تتدفق فرحة وبهجة.

تقدمت مني أختها بعد أن عادت:

- ليلى لم تأتِ بعد، أبلغتنا بنجاحها عبر الهاتف.

ذبت خجلا وهي تقرأ في عيني بحثي المستميت عنها استأذنت منها على أن أعاود الحضور لتهنئتها مرة أخرى..

هل كنت مفضوحاً لهذه الدرجة؟

أظنني كذلك.

ماذا دهاني؟ لماذا تصرفت هكذا؟ هل كان علي أن أسارع للتهنئة بكل هذه اللهفة ، كان يمكن أن انتظر إلى المساء وبالتأكيد سألتقي عمر وكنت سأذهب معه لتهنئتها، ولكني لم أنم منذ الأمس في انتظار خبر نجاحها كيف كنت سأصبر حتى المساء.

مذ رأيتها وهي تحتل تفكيري، لست أقوى على الفكاك من قبضة حضورها الدائم بذهني.

في نظراتها شيء غريب، دائما تشيح بنظراتها بعيداً، بالرغم من أنني لم أستطع النظر مباشرة إلى عينيها غير مرة واحدة، ولكن كانت كفيلة بأن أحفظ لون عينيها البني الداكن، فيها شيء من الغموض يلفني كلما التقيتها، حماس يعتريني لرؤيتها مرة أخرى بمجرد أن تخطو بعيدا عني.

ما الذي أجر نفسي إليه؟ هي أبعد من أن تفكر في ما يدور في خلدي، هي لا تطيق حتى الوقوف معي ولو لدقائق، تختفي عن الأنظار إذا ما زرت منزلهم، معاملتها اللطيفة لكل من حولها عداي، وها أنا كالغبي أنساق إليها مغمض العينين والقلب..

ولكن مهلاً ربما لم تتعود الحديث إلى غير أقربائها أو معارفهم، وجيرانهم القدامى، من أنا حتى تتحدث إلي؟

الآن ستدخل إلى الجامعة ستخلط بأناس كثر، ستتحدث إلى زملائها، ربما أصبحت أكثر انفتاحا حينها و...

زملاؤها؟ لعل أحدهم أعجب بها أو أعجبها أحدهم، سيراها وتراه كل يوم أو ربما يجلسان سويا في قاعة المحاضرات أو يرتشفان قهوة معاً!!

يا للتعاسة ستتضاءل فرصتي أكثر...

سأعود مساء لألتقيها وأتحدث معها، لي حجة سائغة الآن، سأهنئها بنجاحها وأسألها ما الذي تنوي فعله وما المجال الذي ستختار دراسته، لن تستطيع أن تتهرب مني هذه المرة.

- سليم، يا سليم

- أهلا خالتي.

- بقولك إيه يا إبني أنا عايزة أشيل شوية حاجات من البقالة رايحة بيهم على بيت ام عمر صاحبك ما تيجي تشيل معايا، ، معلش أصل صحتى مش أوي يعني..
-
أكيد يا خالتي أم هاني.

- الله يخليك يا سليم رغم انك جيت جديد هنا بس ربنا يعلم معزتك من معزة ابني والله، ربنا يرجعه بالسلامة، دا أنا وأبوه بندعي أننا نشوفو قبل ما نموت، الوحدة صعبة أوي وخلاص العمر ما فضلش فيه كتير.

هربت دمعة من عينها رغماً عنها وهي تذكر ابنها الوحيد، أم هاني المصرية من أقدم ساكني هذا الحي جاءت من مصر وهي ابنة عشرين عاما بعد أن تزوجت من ابوهاني واستقرا هنا في عطبرة حيث أصله وجذوره، أبو هاني كان عاملا بالسكة الحديدية وعضوا باتحاد النقابة العمالية والتي كانت أول نقابة عمالية في السودان والتي نمت حتى صارت واحدة من أقوى وأكبر الحركات العمالية المناوئة للاستعمار في إفريقيا وأصبحت على علاقة قوية مع الحزب الشيوعي.

كان أبو هاني يسكن الجهة الشرقية من المدينة حيث الحركة الصاخبة، أخبرني والدي عن عطبرة حينذاك حيث كانت السكة حديد تقسم المدينة إلى شطرين: شرقي وغربي. كان الشطر الشرقي حيث الكثافة السكانية الكبيرة توجد المراكز التجارية والبنايات ذات الطابقين أو أكثر. وفي الشطر الغربي الذي يبعد عن مجرى نهر النيل بحوالي كيلو متر واحد حيث كان يسكن البريطانيون وأخبرني أيضا أن أحياء ظليلة الشوارع تنتشر فيها منازل البنجلو Bungalow وراء الأسوار والحدائق. وبالقرب من خط السكك الحديدية منازل مخروطية السقف لعمال السكك الحديدية من المصريين.وهناك يوجد جسر صغير يربط بين ضفتي النهر.

كان دائما والدي يقول إن عطبرة تعتبر نموذجاً للسودان بكل أعراقه واختلافاته الثقافية وعاداته وتقاليده، وقد ساهمت السكة حديد في تشكيلة المجتمع العطبراوي المتعدد الإثنيات والثقافات وفي تنمية تطوره السياسي والاجتماعي ووضع نواة اقتصادية له.

وبعد فشل الانقلاب العسكري الذي قاده ضباط موالون للحزب الشيوعي ضد الرئيس جعفر نميري في سبعينيات القرن الماضي ، قام نميري بحلّ الحزب الشيوعي وتفكيك منظماته والتضييق على مناصريه فتقلصت قوة اتحاد النقابات. ومن ثم وجه نميري ضربة قاضية للإتحاد بحلّه نهائياً وفصل آلاف العمال من الخدمة وإجلائهم من المنازل الحكومية التي كانوا يقيمون فيها.

وكان أحد ضحايا هذا الفصل والإجلاء أبو هاني الذي استأجر منزلا متواضعا يأوي أسرته الصغيرة واستخدم مهارته في الحدادة وجعل غرفة تطل على الشارع ورشة لأعمال الحدادة ويؤمن بدخلها متطلبات أسرته، حتى كبر هاني وغادر إلى إحدى دول الخليج.

مازحت أم هاني بأنها لا تزال في عز شبابها وسوف ترى هاني وتزوجه أيضا وترى أحفادها ابتسمت ابتسامة لا طعم لها وذهبنا نحو البقالة، حملت الحلوى والمشروبات ومشيت معها جنبا إلى جنب.

دعت لي بالتوفيق وأن أجد عملاً لئلا أضطر أن أبعد عن بلد وعمن أحبهم
-
ومع ذكر الحب برز طيفها في آخر الشارع، أحفظ قامتها ومشيتها وخطوها الوئيد، فتلعثم لساني وأنا أرد عليها:

- آمين يا خالتي أم هاني.

وصلنا إلى باب منزلهم وهي تقترب نحونا، اقتربت كثيراً وارتبكت أنا أكثر، يا الله كم هي جميلة اليوم لأول مرة أسمح لنفسي أن أحدق بها دون أن تطرف عيني، لم تمنعني الشمس من مواصلة التحديق وهي ترسم خلفها هالة وقد تنازلت عن صدر السماء لتزفها كأميرة، كانت الشمس قد مالت كثيرا مقتربة من الغروب لعلها كانت بانتظار قدوم ليلى.

قفزت هي إلى أحضـان أم هاني بفرحة طفولية بينما أندب حظي العاثر ففرصة عودتي في المساء قد تبخرت، ما حجتي وأنا قد التقيتها الآن؟ أين سأنفق كل الحوارات التي أعددتها؟

بل وأكثر من ذلك لن استطيع مصافحة يدها وأنا أحمل بيدي كل هذه المشتريات، من أين أتت تلك المرأة؟ أي حظ أسود رمى بي في طريقها؟

أفلتت ليلى من بين ذراعيها ونظرت إلى، فقلت لها:

- مبروك يا ليلى.

شكرتني ودعتنا للدخول، اعتذرت ووضعت الأغراض قرب الباب ثم انصرفت لم تلح علي أو تكرر طلبها، وددت لو أنها فعلت ولكن يبدو أنها لا تكترث مطلقا إن بقيت أو غادرت..

اعتراني غضب مفاجئ لا أدري مصدره، من جارتنا أم من عدم اهتمام ليلى بي؟، أم من غبائي وحماقتي، لا غباء من أن تتشبث بالمجهول، لا حمق من تكذيبك لحقيقة ماثلة وتصديقك لخيال يرسم لوحة أجمل رفضاً لقبح الواقع..

حتى الآن لا أدري ما طبيعة شعوري تجاهها كل ما أعرفه أنني أريد ان أكون قريبا منها، لهفتي عليها تكاد تمزقني، أيكون هذا الإحساس هو المسمى بالحب؟

سامحك الله يا أمي كم مرة سألتك ما هو الحب، وفي كل مرة تقولين هو ليس بكلمات تقال يا بني، ليتك أجبتي علي ولو بكلمة واحدة علني أستطيع تفسير ما بي..
أو ليس كلامها صحيحا، إن كنت لا أستطيع وصف حالتي بكلمات قد يكون هو!

كان إعراضها الدائم عني كفيل ليجعلني أمقت تواجدي في محيطها، ولكن الذي كان يحدث هو العكس تماماً، أحس أنها مغناطيس سحري مختلف عني في شحنته يجذبني بقوة وحين أقترب منه يتحول بسحره إلى شحنة مشابهة فينفر عني ويبتعد..

هل هي صغيرةٌ على الحب؟

قلبها لم يدرِ بعد كيف يحتوي قلباً آخر..!

إن كانت كذلك فقلبي أصغر، ولكن أصابه الكبر بعد أن رآها..

ليلى وخطواتٌ إلى هناك أنا راحلة، ، ما عاد لي فى مقلتيك مدينة،
أو قرية، ، أو موضع أرتاح فيه.

هكذا ترنمتُ بكلمات " روضة " وأنا أستعد للرحيل، أثقل حقائبي تلك التي حملت بها " ذاكرتي " فاكتفيت بها ومضيت، مضيت تاركة خلفي مدينة لم تترك موضعاً بقلبي إلا وفيه طعنة ألم أو ندبة غدر، طعنتني عطبرة مبكراً حين أهدتني حب والدين كنت أراهما كعصفورين يشدوان كل يوم غير آبهين بالعالم من حولهما ثم رمت بوالدي بعيدا، طعنتني حين ساقت إلى ذاك الغريب ليستوطن قلبي ويحتله ثم انتزعته بغير رحمة، طعنتني وآخر سند لي في الحياة يعلن قطيعتي إن أنا غادرت نحو حلمي..عذرا أخي فالحياة لا تنتظر، أنا لا ألومك، أعلم بيئتنا التي تربينا فيها تقاليدنا عاداتنا، أعلم أنك مشبع برجولة أرضعتك إياها هذه الأرض، رجولة تقتضي أن المرأة " لو قرت قانون مصيرها الكانون " و " المرة لو بقت فاس ما بتقطع الراس" عيب أن تقرر مصيرها، تبني مستقبلها، لم يستطع حبك لي أن يجعلك تفاوضني ولو قليلاً، أن تسمعني أن تفهمني، ستدرك خطأك يوما ما وستركض إلي لتعانقني وحينها سأسامحك، رغم ما جرعتني من خذلان.. رغم مرارة كلماتك التي أسمعتنيها يوم مغادرتي صباحا:

- إنتي عايزة توطي راسنا بين الناس يا ليلى؟

ما الجرم الذي سأرتكبه بحقهم، سوف أسافر للعمل في مكان محترم و سأقيم مع زميلتي و أختها لأن أهلهم خارج البلد و يعرفونها جيدا بحكم زيارتها المتكررة لي في عطبرة، يتحجج عمر بعدم حاجتي للمال أو حاجتهم، حاولت أن أجعله يفهم احتياجي الحقيقي بأن يكون لي دور في بناء المجتمع، المضحك المبكي أنني عندما ذكرته بجارتنا التي تعمل و تقيم بالخرطوم في سكن الطبيبات ولم يقل أحد عنها أنها " عديمة التربية "، أجابني بأنها طبيبة تنقذ حياة الآخرين ولكن لن يموت أحد إن توقفت أنا عن الكتابة.

التربية كما يراها هو أن تنفذي الأوامر أن تجيبي بنعم دائماً و لو على حساب نفسك و طموحاتك ومستقبلك. أكون قليلة التربية إن قلت مرة لا، ويبقى كل ما سأقوله من تبريرات هو فلسفة ونظريات كتب أفسدت علي تفكيري.

- تحسبين أنكِ الآن تفهمين الدنيا كما لا نفعل نحن، ليس لدي ما أقوله سوى أنني سأتبرأ منكِ لآخر العمر إن تخطيت عتبة هذا الباب إلى الخرطوم.

أمسكت بقميصك متوسلة باكية راجية رضاك عن سفري ولكن لم يجد نفعاً،
متوسلة إليك ألا تتخلى عني، أن تدعمني وترى ما سأحققه وستفخر بي وبنجاحي، ولكنك أبيت إلا أن تذبح رجائي أمام عيني والدتي واختي وهما تذرفان الدمع الثخين وتتوسلان معي.

ظالم ذاك المجتمع الذي يرى أن الكلمة آخر ما نحتاج إليه لكي نحيا، العيش في نظرهم لقمة تشبع وقطعة قماش تستر وحبة مسكن تهدئ أوجاعهم.

أؤمن أن بمجتمعنا تفشت أمراض لا علاج لها إلا بجرعة من الحبر، لا يكفي أن تكون خاليا من الحمى والصداع لتكون سليما معافى.

كيف لي أن أرى مجتمعاً من الشباب غاية أمنيات جيله أن يرجع الزمن إلى الوراء ليعشوا في كنف العز الذي بالغ أباؤهم في وصفه، غير مدركين أن بإمكانهم صنع المستقبل وبشكل أفضل، مجتمع يربي أبناءه بسلطة القهر والطاعة العمياء، ينتجون نسخاً متشابهة مكررة، مترددة في قراراتها خانعة لمصير يكتبه لها غيرها، جمدت عقولها وتركت عقولا أخرى تسير لها حياتها كيف تشاء.

الكتب التي تستهزئ بها يا أخي أخرجتني من ظلمة الواقع إلى نور المستقبل الذي سأكون ممن يشعلونه، كمن يتشاركون في إشعال شعلة الأولمبياد.

خرجت من المنزل غاضبا ونظراتي تتبعك، إنها نظرة مودع، ستعود ولن تجدني، سأوفر عليك عناء مقاومتي.

أخرجت حقائبي إلى الفناء وشهقات أمي تخترق قلبي بعد أن نفدت دموعها، وأختي ترتمي في أحضانها تخبئ وجهها عني، قبلت أمي بين عينيها سألتها أن تدعو لي قبلت أختي أعلى رأسها وشممت شعرها المعتق برائحة دهن أمي الذي تحضره مغليا بقشر البرتقال..

- ليلى، سيارة الأجرة تنتظرنا.

حمل حسام الحقائب وحمل حزنه الدفين بقلبه، أخفى عني عينيه الذابلتين وهو يسبقني إلى السيارة ريثما تنتهي مراسم الوداع البائسة، كان هو أخي الثاني، ، ربما أصبح الآن الوحيد بعد أن فقدت عمر.

قطعت بنا السيارة الطريق إلى محطة النقل البري بالدامر، ازدحام وصياح وأصوات مختلطة، زادت الضجيج برأسي، فوضعت رأسي بين قدمي معلنة هزيمتي أمام الضوضاء، وعدائي مع الضوضاء لا ينتهي..

أطلق حسام ضحكة خافتة، استغربت ضحكته تلك وعيناه لا تزالان تنضحان حزناً وسألته عن سر ضحكته، قال إنه تذكر أول مرة كنا ننوي السفر إلى الخرطوم مع والدتي ونحن لا نزال صغاراً، كان والدي مشغولاً جداً ولا يستطيع أخذها بسيارته، وقد كانت ذاهبة لأداء واجب التعزية في أحد أقربائنا وهي لا تحب أن تتأخر عن أداء الواجب.

أصررنا أنا وهو على مرافقتها، فوافقت واصطحبناها إلى محطة النقل، ، أعطتنا أمي حقيبتها وذهبت تشتري لنا طعاما.. تسللنا إلى الباص وجلسنا في آخره وقبل أن يتحرك الباص توجه نحونا العامل متسائلاً:

- أين والداكما؟

رفعنا رؤؤسنا فإذا بأمي تجلس في مقعد أمامي فأشرنا إليها وقلنا بصوت واحد:
-
إنها هناك..

بعد أن قطع الباص مسافة نصف ساعة رن هاتف أمي فأخذت الحقيبة راكضة باتجاهها لترد فهززت كتفها:

- أمي.. أمي.

كانت المفاجأة عندما التفتت تلك المرأة التي لم تكن والدتي، كانت إمرأة ترتدي ثوباً مشابهاً لثوبها، انفجرت باكية منادية على حسام، والذي شاركني نوبة البكاء بعد اكتشافه لما وقعنا به أصبحنا ندور بحثاً عنها بين الركاب الذين أخذوا يسألون بعضهم عن أهل هذين الطفلين جاء العامل بطلب من إحدى الراكبات التي أمسكت بنا وأجلستنا بجانبها، أخذ يحوقل و يردد بأننا أكدنا وجود والدتنا بالباص ، لم ننبس ببنت شفة وكان البكاء ردنا الوحيد.

تواصل رنين الهاتف فأخذت تلك الراكبة الحقيبة وردت على الهاتف:

- ألو.!

-..................

كانت والدتي على الطرف الآخر من المكالمة، أجابتها السيدة بأننا موجودين في باص يتجه إلى بورتسودان.

ما إن سمعنا بورتسودان حتى ارتفعت أصواتنا عويلا، لم تجد الحلوى ولا النقود ولا أي شئ مما قدموه لنا طلبا للهدوء، بكينا في ذاك اليوم بما يكفي لبقية أعمارنا بقدر ما ضحكنا مثله في آخر اليوم.

كان السائق أمام خيارين إما أن يقف مكانه حتى تستأجر والدتي سيارة وتلحق به لتأخذنا أو يرجع بنا إلى المحطة ويسلمنا إليها..

وافق الركاب على الحل الأول لكونه سيكلفهم تأخيرا أقل، بالرغم من أن بعض المتضجرين أشاروا إليه بأن يتركنا عند أقرب مطعم أو بقالة إلى حين وصول والدتي ويذهب، بحجة أنهم لا يريدون التأخير..

السائق كان موقفه حاسماً بأننا أمانة لديه ومسؤولية لن يتركنا حتى تأتي والدتي.
كان هذا الرد القاطع من السائق الذي ألجم الجميع، إلا من بعض المتمتمين، بعضهم اتهم والدتي بالإهمال، وبعضهم نعتنا بـ " قليلي الأدب " والذي لم افهم حتى الآن ما علاقة ما حدث بقلة الأدب، لقد كنا جاهلين بما نفعل ببراءة أطفال أخذهم الحماس، لأول مرة يسافرون من محطة النقل.

شاركت حسام ضحكته وهو يسرد تفاصيل القصة بحنين طاغٍ، وذكرته بالعقاب الذي نلناه بعد ذلك بحرماننا من السفر، فقد اتصلت والدتي بوالدي ليأخذنا من المحطة حتى لا تفرغ فينا غضبها لاضطرارها لتأخير رحلتها لساعتين حتى موعد رحلة الخرطوم التالية. ضحكنا معا على هذه الذكرى بذات جنون الطفلين حتى علت أصواتنا والدموع تتسرب بين الضحكات كأنها تعلن عن وجودها وتقول: لا تنسوني فأنا هنا..

كم هو غريب أن أكثر لحظاتنا حزناً يشق الضحك طريقه بينها مؤكدا أن دوام الحال من المحال.

بعد أن نزلنا من سيارة الأجرة تركني حسام في مطعم صغير وذهب إلى مكتب السفريات ليحجز على أقرب رحلة.

عاد وهو يخبرني أنه وضع الحقائب بالباص وأن أمامي ساعة قبل التحرك.
-
ليلى عليكِ أن تتناولي طعاماً، وجهك شاحب..

- كوب شاي .

- مستحيل، سأحضـر مشروبا من الفواكه ليمدُّك بالقوة.

-حاضر يا دكتور، أمرك..

-جبر الله بخاطرك يا ابنة خالتي..

تسرب وجع خفي إلى قلبه لم أحتمله، كان السبب جملتي غير المنتقاة، لطالما أراد حسام أن يكمل دراسته ليصبح طبيباً، ولكن ظروفه حالت دون ذلك، رضي أن يعمل في مطعم بدوام كامل بعد أن كان يعمل بعد انتهاء محاضراته بالكلية مساءً فقط، ولكن في ذلك الوقت كانت أمه تعمل على الغزل هي ونور وتساعدان بقليل من الدخل، رحلت نور عن الدنيا وأقعدت أمه بينما والده أصبح هاربا يهيم على وجهه، تأتي أخباره متقطعة من حين لآخر، نذر حياته معينا لأمه معيلا لأخيه ونسي كل أحلامه وطموحاته..

أحضر كوبين من العصير وجلس قبالتي في تلك الطاولة الصغيرة، ألح عليّ مرة أخرى في أن أطلب وجبة خفيفة هززت رأسي رافضة ثم ابتسمت وقلت له:

- لو كان من صنع يديك ما ترددت، لطبْخِكَ طعم مميز، يا لها من محظوظة!

- من هي؟

اكتفيت بالصمت..

امتدت يديه لتمسك بيدي الاثنتين ثم قال:

- اعتني بنفسك عزيزتي.

ضم يديّ بقوة، مشهد لا يمكن أن تراه هنا بالذات، حيث لا امرأة تستطيع أصلا أن تجلس مع رجل في مطعم يتبادلان الأحاديث إلا إذا كانوا غرباء عن المنطقة. فما بالك بشاب يمسك بيد فتاة لا يبدو أنهما متزوجيـن..

أفلتت يدي على مهل وهو محكم قبضته بصورة لا إرادية. عرفت ذلك من نظرة عينيه وهو يحدق بوجهي بقوة، سرت رعشة إلى جسدي كأنما اخترقني سهم
 
مسموم..

كانت النظرات من حولنا قد توجهت إلينا تماما وبدأ قلبي يخفق بشدة، ليس خوفا، وإنما شفقة على حسام، تلك النظرة بعينيه مرعبة، كأنما ينظر إلى شخص على وشك الموت، كنت أريد أن أصرخ بوجهه أن ما بيننا فقط مسافة ساعات معدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وأنني سأكون بجانبه متى ما احتاجني ويستطيع زيارتي في أي وقت يريده..

 كنت دوما قريبة منه، أشاركه هو وعمر اللعب على ورق الكوتشينة والشطرنج، يغضبان حينما أفوز عليهما ويصرخان:

- اذهبي يا فتاة لتمشطي شعر عرائسك..

أعلم أن لي مكانة خاصة في قلبه، لكنني اليوم كدت أظن شيئاً آخر، اعترانا سكون مطبق.

نظرت إلى ساعتي فإذا بموعد الرحلة قد أوشك آثرت أن أكمل بقية الزمن وأنا جالسة بمقعدي، هززته من يده:

- حسام تبقت ربع ساعة.

وضع التذكرة بيدي ومضى، لم يلتفت وأنا أتبعه بنظراتي حتى غاب بين الجموع..

 

 

حسام والوداع

*****

ليلى.. يا طائر الكناري الذي اختار أن يغرد بعيدا لحن الحرية، لقد دفعتِ ثمن صك حريتك، تقولين دائما إن للحب فاتورة ندفعها، ها أنا أؤمن اليوم أن للحرية فاتورة أيضاً.. انتزعت قيودك غير آبهة لما سيقوله الناس، فعلت ما لم أجرؤ على فعله يوماً، كنت حبيس أعذاري وحججي، لم أسعَ يوما لما أريد، حتى أنتِ، لم أحاول أن أُشعركِ بحبي، لازمني الخوف والإحساس بالعجز طيلة حياتي..

هل في العمر متسع لأحياه من جديد؟؟

هل من زر أضغط عليه فيعيدني إلى حيث أنتِ تلعبين معي وأمسك أنا بيدك لنجتاز الطريق..

أطفالاّ نعود لنكبر وأنا أخبرك في كل يوم أنني أحبك..

الحب والحرية والحلم الثلاثية الحائية باهظة الثمن، لم ينصفني الحب فيك ولم تبقِ لي الأيام حلما والقيود تنصب شباكها حولي يوما بعد يوم.

عندما ودعتك كنت كالذبيح الذي ما أحسن ذابحه إليه كانت شفرته أقل حدة مما يجب أنظر إليك بعين ضحية ترى قاتلها تحفظ ملامحه علّها إن لم تمت لاحقته تطالب بثأرها منه..

روحي هي التي أخذتها معك، لقد أبقيتي جسدا سينهشه الشوق ليل نهار، قلباً سينزف عشقا ولن يجد من يضمده...

أسلمتك بيدي إلى المجهول لدي والمعلوم عندك، كنتِ تعلمين أين ستحطين قدميك، كل خطوة تخططين لها وتمشينها بكل ثقة..

كانت كل تفاصيل الوداع دقيقة وكأنها مراسم جنائزية، استأجرت من أجلك سيارة رحيلك كأنما أشيع جثماني بقربك، كانت تذكرة الباص التي أحضرتها لك شهادة وفاتي ووثيقة حرماني منك..

تلك الفاكهة التي يرمي بها فتى المطعم في الخلاط الكهربائي واحدة تلو الأخرى ليعد مشروبنا كنت أنظر إليها كالزهور التي تلقى على قبري بعد دفني..

الصينية التي حملتها باتجاهك وبها كوبي العصير نعشي الذي أحمله بنفسي إلى القبر المظلم، فكل ما سيأتي بعدك من العمر سيكون مظلماً بلا شك..

عندما جلست أمامك على تلك الطاولة الصغيرة دارت الأرض بي أحسست أنني في مجال خارج الجاذبية الأرضية وأنني أسبح في فضاء بلا معالم، أصبت بالرعب للحظات، كنت أريد أن أتأكد من أنني لا زلت على الأرض، أحتاج أوتاداً تثبتني، لم أجد سوى يديك.

ويديك بين يدي كأن كل الأمان حول العالم اجتمع ليسكن صدري، تشبثت بهما بقوة، كطفل وليد لأول مرة يمسك بقبضته يد والدته، وسرحت بخيالي بعيدا.

كم بقيت على ذلك الحال، لم اشعر بما حولي إلا ويداك تنسحبان ببطء، وددت لو اصرخ ملء صوتي لا ترحلي..

ولكن صوتي خانني..

خانتني الدنيا بأسرها حين أخذتكِ مني، طعنتني بفراقك على خاصرتي فسأمضي بقية حياتي مائل الخطو لا يستقيم لي شئ..

هل تعودين يوماً ما..؟

تخبرني الدنيا أن: لا

وتمدُّ لسانها نحوي بشماتة..

 

 

الفصل الثالث

على مشارف الدمع تتضخم الأحزان، وتطل أوجاعك السابقة ستتذكر كل ما مر بك ولم تبك عليه، فيحلو لك أن ترفقه الآن بموجة الحزن العابرة...

كثير من قراراتنا بالمضي قدماً تقع على نفوسنا كوزنِ الجبال، نمارس تطبيقها بخُطى متثاقلة وكأننا نجر العالم بأكمله خلفنا فنمضي قليلاً ونلتفت للوراء قليلا، لأن في الخلف أرواحاً وأشياء معلقة قلوبنا بها ولكن الحرية روح أخرى نحيا بها، هي وحدها الحقيقة وما سواها محض أوهام، نعمل لأجلها في صمت وأحيانا بكثير من الضجة.

هكذا حدثت نفسي وأنا إلى جوار النافذة، ساعات قليلة تفصلني عن حياة جديدة، طريق يأخذ خطاي بعيدا عن عطبرة قريباً من الحلم..

تأوهت بملء أنفاسي وتململت بمقعدي..

- هل أنتِ بخير؟

قال بصوته الهادئ، شاب يبدو أنه في أواخر الثلاثينات من عمره يجلس بجواري.

- نعم بخير.

- الرحلة لم تبدأ بعد وأنتِ تتململين في جلسِتك.

-..................
-
آسف لتطفلي عليك، فكرت في أن نتجاذب أطراف الحديث فالطريق طويل.
-.....................
-
هل ستبقين بالخرطوم لفترة طويلة؟

-................
-
لقد رأيت وداع ذلك الشاب لك وأنتما بالمطعم، بالنسبة لهذه المدينة كأنه مشهد سينمائي.

- أعتذر منك ولكن ليس من حقك أن تتحدث معي بهذه الطريقة.

- أخيرا نطقتِ.........!!! هل هو خطيبك؟

-......

- توقعت هذا.

- ماذا توقعت إنه ابن خالتي.

- وهل قلت غير ذلك!..

ابتسم هو لتحقيقه نصرا باستنطاقي وابتسمت على سذاجتي وعدت إلى التحديق عبر النافذة.

- لعلمك لديّ خطيبة وأنا أحبها جداً.

التفت اليه في استغراب:

- وما شأني أنا؟

- أخبرني أنه لا يريد أن أظن به سوءاً، وليس له أي نية من بدء الحديث معي سوى أن يكون رفقة آمنة لي، فبحكم عمله له خبرة في قراءة الشخصيات، ولولا أنه قرأني جيداً ما تجرأ لمحاورتي، فقد أبدو عنيدة لكنني لطيفة، مثقفة، واعية، وواسعة المدارك كما قال هو.

فاجأني بملاحظته الدقيقة، ولم أوافقه على قراءته أو أنفيها، إنما ظللت أستمع له بارتياح وهو يتحدث بلا انقطاع، اسمه خالد وعلمت أنه محام قدم إلى الدامر متابعا لتفاصيل قضية يعمل عليها حاليا منذ ستة أشهر، أخبرني كم أن القضية مهمة ومعقدة، لديه مكتب صغير في الخرطوم افتتحه بمساعدة خطيبته والتي تعمل سكرتيرة لديه بالمكتب.

حدثني عنها كثيرا بعينين تبرقان، تحكيان فعلا عن مدى حبه لها، وتاهت أفكاري بعيدا، هل أحبني سليم بنفس القدر؟ هل كنا سنكمل حياتنا سوياً ونؤسس مستقبلنا معا؟ هل أحب زوجته التي اختارها حمقاً؟ هل يشاركها الآن حياته طموحاته ومستقبله؟ هل ستحبه مثلما أحببته؟

لم أفق من سيل الأفكار تلك إلا على صوت خالد يخبرني أننا وصلنا، سألني عن وجهتي، وعرض علي أن يوصلني فصديقه ينتظره بالمحطة، رفضت رغم إصراره فهو عليه أن يذهب إلى المكتب كما أخبرني لينجز أعمالا مؤجلة بسبب سفره، وليس بانتظاري إلا النوم، فغداً يومي سيكون حافلا، أعطاني بطاقة هواتفه.. وورقة أخرى بها هاتفه الخاص، لم يسألني عن رقم هاتفي ولم أبادر بإعطائه له، استأجرت سيارة من الميناء البري بالخرطوم ليقلني حيث منزل صديقتي "نجلاء".

 

*****

 

لم تكن نجلاء لتصدق أنني سأنتقل إلى الخرطوم وحدي بعد كل ما أخبرتها به عن معارضة أخي وتهديداته، كانت بانتظار رؤيتي لتتأكد من ذلك، ما إن فتحت الباب حتى صرخت:

- يا مجنونة!!

احتضنتني بقوة ضحكنا أخذت حقائبي إلى غرفة الضيوف، تركتني بعد أن أخبرتها أنني لا أريد شيئاً غير النوم وسنتناول الطعام حين أستيقظ ستكون أختها قد عادت إلى البيت، ألقيت جسدي على السرير أدرت ناظري في الغرفة، فاخرة وأنيقة، لطالما كانت نجلاء ذات ذوقٍ عالِ، تذكرت في هذه اللحظات كيف التقينا أول مرة في بورتسودان قبل أعوام كنت حينها لازلت أدرس بالجامعة.

التقينا خلال فعاليات مهرجان السياحة السنوي هناك الذي يوافق شهر يناير، هي تعمل مذيعة بإلإذعة القومية وكانت هناك لتغطية الحدث مع الفريق الإعلامي الذي تم استضافته بإحد فنادق والدي هناك، دعانا والدي لحضور المهرجان فذهبنا أنا وعمر وعزة اعتذرت والدتي بحجة مرض خالتي " أم حسام " وأنها لا تستطيع تركها وحيدة، أعلم أن كبرياء الأنثى بداخلها منعها من تلبية الدعوة، كيف تلحق برجل إلى مدينة أخرى وهو الذي تركها بلا وطن مذ غادرها، كشف رحيله عورة حبها لها وتعلقها به، رجل ما نامت لهفتها عليه يوما فظهر ذلك هالات سوداء حول عينيها كأنها كانت تغسلهما من عتمة المساء في غيابه الطويل.

اختار لنا والدي غرفاً من الغرف المخصصة للشخصيات المهمة، كما هي عادته دوما في دلالنا، غرفتي كانت بجانب غرفة نجلاء، كنت أخرج في الصباح الباكر لأراقب شروق الشمس على شاطئ البحر عمر وعزة مسائيا الهوى لا يجدان في الصباح أية متعة، لا يعنيهما شروق ولا زقزقة عصافير كانت الأضواء عشقهما والصخب عندما تغادر الشمس إلى مخدعها فكنت أذهب وحدي، وكانت هي تفعل الشيء ذاته، نغادر غرفتينا بذات التوقيت ونخطو مسرعتين باتجاه البحر، جذبتني أناقتها وحيويتها وإشراق وجهها.

حتى جاء ذلك الصباح، غادرت غرفتي متوجهة إلى رحلتي اليومية، ولكن باب غرفتها لم ينفتح، وقفت قليلا أنتظر، لعلها تأخرت في الاستيقاظ اليوم، طال انتظاري لأكثر من عشر دقائق، سيفوتني الشروق هل أذهب؟ وطرأ على بالي أن أذهب وأطرق باب غرفتها لأتأكد أنها بخير، ثم قلت في نفسي: لا تكوني حمقاء، هي لا تعرفك ما الداعي لإزعاجها منذ الصباح الباكر، ربما هي مرهقة من العمل لقد رأيتهم بالأمس وهم يعودون متأخرين بعد منتصف الليل، كنت حينها مع والدي في ردهة الاستقبال وهو يتحدث مع موظفيه عن بعض شئون العمل.

أخذت قراري بالتوجه إلى الشاطئ ربما تأتي، كان الجو باردا كما هو الحال في يناير عادة في بورتسودان تلك المدينة الساحرة "عروس البحر الأحمر" الميناء البحري.

حسبما قرأت من من بعض كتب التاريخ أن قرار الإنجليز ببناء هذا الميناء رغبتهم في أن يكون لهم ميناء تحت السيادة البريطانية المصرية المشتركة بدلاً عن سواكن التي كانت تخضع لحكم الخديوي وليس للحكم الثنائي رسمياً، إلا أن السبب المباشر يكمن في عدم صلاحية ميناء سواكن لاستقبال البوارج والسفن الحديثة بسبب الشعب المرجانية الكثيرة فيه والتي تعيق إبحار تلك السفن أو رسوها.

ما إن عدت أدراجي حتى رأيتها تجلس في بهو الفندق، ترتدي نظارة شمسية وأمامها كوب قهوة، لمَ كل هذا السواد؟

دون أن أفكر وجدتني أمامها:

- سلام عليكم، صباح الخير يا أستاذة..

خلعت النظارة من على عينيها فبدت شاحبة وباهتة الملامح..

- وعليكم السلام صباح النور.

أخبرتها بسرعة أنني افتقدتها على الشاطئ وسألتها إن كانت بخير، أجابتني بكل لطف أنها كانت مُتْعَبَة، دعتني لتناول القهوة معها وألا أناديها بألقاب.

جلست من فوري، أعجبت بتواضعها فمعظم الشخصيات المعروفة عادة لا تتعامل بتلك البساطة مع أي كان، حدثتها عن إعجابي بتقديمها وشخصيتها وأناقتها، امتدحتها كثيرا كان ترد على بابتسامة فقط ولكن ملامحها كانت تشي بأن حزناً يسكن خلف ذلك الوجه المبتسم، حدثتها عن حبي للطبيعة وحبي لمراقبة الكون والتأمل فيه، وعن مدى إحساسي بالراحة حين أكون في خلوى مع الطبيعة، فجأة انتبهت لنفسي وفمي الذي لا يتوقف عن الحديث، اعتذرت لها عن ثرثرتي وأنها بالتأكيد في غنى عن فتاة تضجرها بحديثها لأنها مرهقة بما يكفي، فرت دمعة من عينها فجأة فمسحتها بمنديلها وأسرعت بوضع النظارة مرة أخرى، استأذنتْ لتذهب وقالت أننا ربما سنلتقي لنتحدث لاحقا وأنها سعيدة بالتعرف إلىّ، فأخبرتها بمدى سعادتي أيضا وأنني أتمنى أن نتحدث مرة أخرى..

في المساء بذات اليوم جلسنا أنا وإخوتي مع والدي لتناول العشاء على المطعم الملحق بالفندق والذي يطل على البحر، أعتبرُ أبي والداً مميزا، فهو يستمع إلى أفكارنا بقدر كبير من الاهتمام، يدعم طموحاتنا، يناقشنا في مختلف أمور الحياة، يحكي ذكرياته ويخبرنا بالعبرة منها وعن أعماله وخططه المستقبلية كان متفتح الذهن. درس بجامعة الخرطوم ومن ثم ابتعث إلى أمريكا ليكمل دراسة الماجستير والدكتوراة، نال درجة الماجستير بمرتبة الشرف في تخصص الإقتصاد والعلوم السياسية، وكما يفتخر دوما بأن بحث تخرجه لا يزال بأرفف مكتبة جامعة بنسلفانيا كمرجع يدرسُ منه الطلاب إلى الآن، ولكن ما إن بدأ بتحضير الدكتوراة حتى توفي والده "جدي" فاضطر إلى العودة إلى السودان باعتباره المعيل الوحيد بعد والده لأمه وإخوته، حيث كان الأكبر بينهم.

حصل على وظيفة حكومية لا بأس بها ظلت لسنوات مصدر دخله حتى قرر ذات يوم أن الوظيفة ليست المسار الذي ينوي اتخاذه لبقية حياته، بدأ باستثمارات صغيرة وهو لا يزال على رأس الوظيفة، حتى استغنى عنها نهائيا بعد فترة قصيرة من زواجه حين نجح أول مشروع صغير له وهو عبارة عن متجر لبيع المشغولات اليدوية، كان مشروعا جريئاً في ذلك الوقت كما يصفه هو ولكنه كان مميزا ومبتكرا ولقيَ استحسانا من الزبائن حيث أصبح المشترون يأتون من قرى مجاورة ومن الدامر لشراء مستلزمات من متجره، وقد بدأ مشروعه بحصر الأفراد الذين يصنعون أغراضا يدوية من مفارش للترابيز وقبعات وأغراض الزينة أيضاً من مزهريات وصناديق لحفظ الأغراض الثمينة المستخدم فيها الأحجار الكريمة والأصداف الملونة والمصنوعات الخزفية أيضا ومن ثم قام بالاتفاق معهم على أن يأخذ منتجاتهم ليعرضها في متجره ويتقاسمون الربح بنسبة معينة، وبعد أن ازدهر ذلك المتجر أصبح يشتري المنتجات ومن ثم يكون الربح خالصا له.

كان سعيدا بالتجربة وفخورا بها ومن ثم توالت الأفكار الإبداعية برأسه إلى أن أصبح الآن رجل أعمال مرموق وصل بجهده إلى ما هو فيه الآن ولا يزال المحل الذي بدأ به يعمل في عطبرة بإشراف أحد أقربائه وافتتح فرعاً آخر في بورتسودان يقصده السياح مستفيدا من المواد الخام للزينة المتوفرة في عروس البحر..

في غمرة أحاديثنا الشيقة لمحتُ نجلاء وهي تستعد للخروج خارج الفندق فاستأذنت أبي ولحقت بها حييتها وأخبرتها أنني أدعوها غدا صباحا للخروج معنا فوالدي قد رتب رحلة صغيرة إلى جزيرة سنقنيب وشاطئ فلامنجو، أكدت عليها الحضور إلى بهو الفندق في الثامنة صباحا، أو بإمكاننا أن نشاهد الشروق معا ثم ننضم إليهم..

لم أخبرها بأن والدي هو مالك الفندق ولم أخبرها بحقيقة أن الرحلة قد قام بتنسيقها والدي لكبار المسئولين الذين حلوا بالفندق أثناء فترة المهرجان مخافة أن تصاب بالحرج وترفض الدعوة، قبلت دعوتي بعد إلحاحي الشديد وأخذت رقم هاتفها لأتواصل معها.

كانت رغبتي في صحبتها لنا رغبة في أن أجد من يشاركني الإحساس بالجمال الذي سنراه لطالما سمعت عن تلك المناطق ولكن لم يتسن لي زيارتها، أردت أن يشاركني أحدهم دهشتي لرؤية سمكة ملونة أو حديقة مرجانية رائعة، فالإحساس بالمشاركة في هذه المواقف يزيد من استمتاعنا بها قد تكون أمورا بسيطة ولكنها تتضخم بوجود من يتوحد معك في إحساسك بها، وخمنت أنها الشخص المناسب لذلك، فأشك أن عمر سيمسك بيدي يشير إلى سمكة أعجبته فهو من قومي الذين اخشوشنوا حتى على الاستمتاع بالحياة، التربية والبيئة لهما الأثر الأكبر على سلوكه حتى الآن، عزة ستكون مشغولة بالتقاط الصور لتعرضها على صديقاتها حين عودتنا لتباهي بجمال لم تعشه حقيقة ولم تكلف نفسها عناء التأمل فيه، والدي سيكون مشغولا بضيوفه وغير ذلك هو أتى كثيرا إلى هنا سأفتقد بريق الدهشة الأولى بعينيه، نجلاء كان خياري الوحيد، ثم أخبرت والدي لاحقا بأن يضع اسمها ضمن قائمة الحضور وزودته برقم غرفتها كما طلب...

خرجت مبكراً إلى رحلة الشروق، لم تأت نجلاء ولكنني عندما عدت إلى الفندق وجدتها تتناول قهوتها في مكانها المعتاد اتجهت نحوها مستبشرة:

- صباح الورد.

- صباح النور ليلى.

- باقي قدامنا نص ساعة أنا حاطلع اجهز ونتلاقى في الاستقبال، تمام؟

- ليلى حأسالك حاجة، الرحلة دي كم دفعتي عشان نطلع فيها؟

- لا أبدا ولا شئ، ليه بتقولي كدا؟

- اتصلو بي غرفتي امس المساء عشان اكد حضوري، فقلت يمكن رحلة عامة، كلمت زملائي عشان أشوفهم إذا حيمشو فقالو لي إنو الرحلة دي للمسئولين ورجال أعمال، وقالو ممكن يكون فيها رسوم غالية شديد.

- يا ستي أنا آسفة إني ما قلت ليك الحقيقة من أول، بس كنت خايفة ترفضي.
-
يعني دفعتي؟.

- لا والله، بس الحقيقة إنو " محمود سليمان " صاحب الفندق يبقى أبوي، والرحلة فعلا هو عاملها بمناسبة ختام المهرجان للشخصيات المهمة اللي نزلت في الفندق، نظام علاقات وكدا، واكيد حتكون بالنسبة ليهو استفادة فيما بعد، وأنا وأخواتي حنطلع معاهو واستأذنت منو عشان أعزمك، وبس دا الحصل.

-..............

- بالله عليك ما ترفضي.

- لا العفو أنا عند وعدي وحأكون سعيدة بتلبية الدعوة، وشكراً ليك مرة تانية.

فرحة غمرتني بموافقتها بعد أن صارحتها بالحقيقة، وأحسست بأن حملاً ثقيلا انزاح عن صدري لإحساسي بأن عدم إخبارها منذ البداية خيانة لها، ذهبت إلى غرفتي بدلت ملابسي بسرعة وركضت كطفلة بين ردهات الفندق.

كانت تنتظرني حسب اتفاقنا ووجدت عزة وعمر بجوار والدي صحبتها وقدمتها لهم على أنها صديقتي فابتسمت لهذا الوصف، من المبكر وصف علاقتنا بصداقة لكنني أحببت أن تفكر بها على هذا النحو، وبما أن الأرواح جنود مجندة أؤمن أن روحينا التقتا في مكان ما في زمان ما ولن يكون صعبا علينا التآلف.

اتجهنا صوب السيارات المخصصة لنقلنا إلى الشاطئ حيث تبدأ رحلتنا، يعتبر ساحل بورتسودان أحد السواحل النظيفة في العالم لعدم تلوثه وأول ما سيشد انتباهك هو وضوح الرؤية داخل مياهه الصافية.

بدأت الرحلة بزيارة حدائق الشعب المرجانية حيث يوجد 400 نوع كما كنت أسمع من المرشد السياحي قمنا بزيارة محمية الشعب المرجانية بسنقنيب وشعاب الرومي وشعاب وينجنت، كما ان هناك حوالي 1500 نوع من الاسماك الملونة والسلاحف البحرية بكميات كبيرة، أمسكت بيد نجلاء فرحا ونحن ننظر إلى ثلاثة من الدلافين وهي تسبح وتقفز من على سطح الماء حيث كنا محظوظين برؤيتها إذ أن الدلافين والحيتان ليست موجودة بصورة دائمة فهي تزور المنطقة من حين إلى آخر..

كانت كل منا تجذب الأخرى من يدها كل ما رأت شيئا أدهشها، رأينا سمك الراي اللاسع والبركودا والحنكليس والسمكة الببغائية وثعبان البحر..

- أنا كذبت عليك يا ليلى، أمس انا كنت متضايقة وماكنت مرهقة، كنت موجوعة ومتألمة.

فجأة نطقت نجلاء بهذه الكلمات ثم ارتمت على كتفي، ضممتها ومسحت بيدي على رأسها، بدأت بالانتحاب ودموعها تنساب بغزارة ، حاولت تهدئتها ولكن دون فائدة، تقدم نحونا والدي وسألني ما بها، فطمأنته وأخبرته أنها تعاني من دوار البحر ولكنها ستكون بخير.

- مافي إحساس أصعب من الخيانة.

هكذا ابتدرت حديثها بعد أن هدأت قليلا وكفكفت دموعها:

- حبيتو جدا يا ليلى، مش أي حب عادي وخلاص لا، أنا حبي ليهو كان أمان لما يكون خايف، مساندة لما يكون محتاج، اخلاص لما يكون غايب، تحفيز لما يكون محبط، كيف ممكن أصدق إنو ما يكتفي بدا كلو؟ كيف؟

كانت أحرفها ثقيلة على قلبي، قلبي الذي يحمل كل ما قالت لسليم وأكثر في ذاك الوقت، خفت ألا يكون ذلك يكفي أيضا، لم أدر أنه لن يخونني أنا فقط سيخون وطناً بأكمله.

واصلت نجلاء في وصف حبها العميق لمحمد، وكيف أنها رأته تلك الليلة على المدرجات في حفل السهرة بالمهرجان وبرفقته فتاة تجلس بجانبه وتمسك بيده،
يتمايلان معا على أنغام الموسيقى وكانت هي تتمايل على نغمة الخديعة والخيانة، حاولتُ أن أدحض شكوكها وأقنعها بأن تسأله وتستفسر عن صلته بتلك الفتاة فمن غير المعقول أن يرافق فتاة إلى المهرجان وهو يدري بأنها هنا، فعاودت البكاء المرير وهي تخبرني أنه اتصل بها قبل أسبوعين وأخبرها أنه سيسافر خارج السودان ليزور والدته المريضة، وربما سيغيب شهرا كاملا ولا يعلم بوجودها هنا لأنه أخبرها أنه ربما لن يستطيع التواصل معها بصورة دائمة على اعتبار أنه سيكون منشغلا بوالدته التي غاب عنها لسنوات وأنه سيحاول أن يعوضها عن حرمانها منه وسيكون بجانبها دوما وانه سيكتفي برسالة اليكترونية من حين إلى آخر، وقالت لي أنها استقبلت آخر رسالة قبل قدومها إلى بورتسودان بيوم واحد يطمئنها فيها على صحة والدته ويخبرها أنها تحسنت كثيرا وأنه سعيد بذلك، أخبرته عن سعادتها أيضا لذلك الخبر وشجعته على مواصلة دعم والدته نفسيا والبقاء بقربها أكثر فذلك سيساعدها على الشفاء ، ولم تخبره عن رحلتها إلى هنا، قالت إنها كانت تعتقد أن لديه ما يكفي من المشاغل ولا تريد أن ينشغل باله عليها كما أنه يغار عليها كثيرا ولا تريده أن ينزعج من رحلتها هذه، خصوصا وأنه يمانع كثيراً سفرها خارج الخرطوم لأداء عمل أيا كانت طبيعته، كانت تخاف عليه كثيرا وترعاه كما الأطفال، وكان طفلا فعلا فقد كانت هي لعبته الطفولية.

عدنا من تلك الرحلة كلانا صامتتين، ذهولا، حزنا، خوفا، أين يمكن أن نجد الأمان إن لم نجده بالحب؟

كيف لنا أن نحب ونشعر بالخوف في آن واحد؟ أليس تناقضاً؟

الحب أن تمسك بيد حبيبك وتتبعه مغمض العينين، تعلم أنه سيزيح عن طريقك كل ما يمكن أن يعيقك، تثق أن النور سينبع من قلبه ليضئ طريقك.

 

*****

 

- أصحي يا ليلى..

- نجلاء..

- دا كلو نوم المغرب أذن، شيماء جات ومنتظرنك عشان نتغدا سوا..

- ههههههه، ما شكلي كنت نايمة، كنت غرقانة.

- كيف؟

كنت في البحر الأحمر وذكريات اللقاء الأول يا صديقتي .

-يا الله، حقيقة الرحلة دي كانت نعمة لي من ربنا، يلا يلا قومي وخلينا من الكلام، تاكلي وبعدين أعمل ليك شاي بالهبهان، وجهزت الزلابية، ونقعد نتذكر لغاية بكرة..

- ياااااااااه أنا عارفة نفسي ما حبيتك من فراغ، تصوري اشتهيتها اليوم الصباح وامي عملتها بس ما قدرت أتهنى بيها بعد اللي حصل مع عمر أخوي.. عشرة دقايق وأكون معاكم.

- يلا منتظرينك وأكيد حتحكي لي حصل شنو مع عمر..

لم تكن نجلاء مجرد صديقة إنها رفيقة روح، توطدت علاقتنا حتى أنني كلما رأيتها أو تحدثت إليها تذكرت حديث الرومي حينما ألتقى بشمس التبريزي:

" حياتك حافلة، مليئة، كاملة، أو هكذا يخيل إليك، حتى يظهر فيها شخص يجعلك تدرك ما كنت تفتقده طوال هذا الوقت، مثل مرآة تعكس الغائب لا الحاضر، تريك الفراغ في روحك، الفراغ الذي كنت تقاوم رؤيته. قد يكون ذلك الشخص حبيبا أو صديقا أو معلماً روحياً. وقد يكون طفلا يجب إحاطته بالحب والرعاية، المهم هو أن تعثر على الروح التي تكمل روحك"

 

الغريب سليم

كما تتعاقب الفصول والمواسم تتواتر الحجى في حياتنا تلمع واحدة وأخرى يخبو بريقها، أدوار تتبادلها الأحداث في حياتنا نبقى الثابت الوحيد فيها رغم احتمال ألا نبقى كما نحن فكراً، أسلوباً، ثقافة وعلما إلا أننا ندرك كيف نتغير بثبات، وكيف نثبت عند التغيير..

ابلغ الخامسة عشرة من عمري في قطار برفقة أمي إلى عطبرة، عائدتين بحزن وفقد وانكسار، فتى طري العود أسود الشعر ولكن قلبي علاه الشيب من هول ما رأى في حياته، الحمل يثقل كاهلي وظهري لا يزال غضا على ذلك كله.

توفي أبى قبل ستة أشهر، كان أهل أبي هم كل أهلي الذين أعرفهم، فقد انقطع أهل أمي عنها بعد زواجها من أبي ورحيلها معه إلى الخرطوم.

كانت تقص على مسامعي قصة زواجهما وعيناها تلمعان من فيض الحب أحبت والدي عندما كان يعمل لدى والدها اليمني الذي كان يمتلك مطعما شعبياً صغيرا لبيع الفول المصري بسوق عطبرة، وقدم أبي إلى هنا مع صديق له بعد أن قررا توديع صخب الخرطوم وزحمتها، كان جدي لأمي من أبناء الجالية اليمنية التي استقرت بعطبرة ذاك الوقت وكانوا يشتهرون بمحلات الفول المصري حيث يهب إليه العمال في الصباح الباكر يبدءون به يومهم استعدادا للعمل ويختمون به يومهم في المساء حيث يتجمعون حوله ليتسامروا حول السياسة والاقتصاد وأحوال مدينتهم الاجتماعية.

تزوج جدي من فتاة سودانية من أسرة عريقة ومرموقة آنذاك هي جدتي أنجب منها والدتي وولدا واحدا ثم توفي وهما لا يزالان صغيرين، لم تتزوج جدتي بعده ولكنها عكفت على تربية أبنائها، ولما كان أبي الذراع الأيمن لجدي وكان يثق فيه، طلبت منه جدتي مباشرة إدارة المطعم على أن يطلعها على الحسابات بداية كل شهر، وقامت بزيادة راتبه تقديرا للأعباء الإضافية التي سيقوم بها، كانت زياراته المتكررة لمنزل والدتي سببا في تعلقه بها وكان يحرص على أن يراها في كل زيارة ولو رؤية عابرة... كان يدعي أحيانا حاجته إلى قلم أو ورقة حتى تستدعيها جدتي وبادلته هي الإعجاب وقد ازدادت إعجابا به وجدتي تمدح في سلوكه وأمانته أمام الجميع وكيف أن المطعم قد ازداد دخله، بعد أن قام بتوسيعه وأضاف الكثير من التجديدات التي ساهمت في جذب الزبائن إلى "فوال اليمني".

أمانة والدي وإخلاصه لأسرة جدي لم يساعداه حين حاول توطيد العلاقة لتصبح نسبا، ثارت ثائرة أخوال أمي "إخوة جدتي" واجتمعوا بالأسرة كاملة ليمنعوا تلك المصيبة على حد قولهم، كان سبب رفضهم الوحيد هو قبيلة والدي التي ينحدر منها، وسبب آخر يفيد بأنه يطمع بأموالهم.

لا أفهم كيف تسامحوا مع زواج جدتي من غريب وافد لا يعرفون أصله ولا عائلته ولم يتسامحوا مع فكرة زواج أبي ابن البلد من أمي؟

ولكن جدتي كانت تحب ابنتها جداً ولم تر ما يعيق زواجها من أبي لما كانت تعرفه عن أخلاقه وطيب معاشرته التي يشهد له بها الجميع، خافت أن يصيبها هي الأخرى مكروه قبل أن تزوجها وتطمئن عليها، ورأت في أبي الرجل المناسب لابنتها فسألت أمي إن كانت تريد الزواج به فأبدت موافقتها وتم عقد القران سراً وسافرا إلى الخرطوم عائدين إلى أهل أبي، وهناك أعلنا الزواج واحتفلا به، منحتهما جدتي المال ميراث أمي من أبيها يبدأ أن به حياتهما من جديد، على ألا يعودا مرة أخرى، فسيكون الموت بانتظارهما كما هدد إخوتها إن تم هذا الزواج، غادرت أمي وفي قلبها حسرة لم تندمل حتى الآن، أم سيكون عليها ألا تراها مرة أخرى وأخ صغير لن تنعم برؤيته يكبر تحنو عليه ويحظى بدلالها وتعوضه فقدان الأب.

عدنا إلى منزل جدتي الآن بعد أن جار علينا الزمان وأفقدنا المأوى، هذه أول مرة أرى فيها عطبرة ولم أكن أنوي أن ينشأ أي رابط بيني وبين هذه المدينة، غاية ما أحلم به أن أكمل تعليمي وأعود إلى الخرطوم لأبني مستقبلي هناك.

المنزل فارغ تماما، تعلوه ملامح الهجر والحزن، هاجر خالي الوحيد إلى إحدى دول المهجر ولم يعد أحد يعرف عنه شيئا، يقولون إنه تزوج من أجنبية واستقر هناك وأنجب منها أطفالا ولا ينوي العودة إلى السودان، أهل والدتي تفرقت بهم السبل بين مغترب وراحل ومتوفٍ، منذ أن عدنا ونحن منعزلان عمّن حولنا، أمي تشعر بالخجل لماضيها، وأنا لا أهتم كثيرا بالتعرف إلى المجتمع الذي ظلمها من قبل وعاقبها، فانكفأت على دراستي، لا أصدقاء ولا معارف ، حتى إن بعض الجيران لم يعلموا أنني أسكن حيهم إلا حين توطدت علاقتي بعمر لأنه شاب اجتماعي وأسرته معروفة في الحي، أصبح يزورني كثيرا وأزوره وعرفني على كثير من أصدقائه.

جاء جدي وأبي إلى هنا غريبان وها أنا أعود إلى هنا غريبا بعد أن استولى أعمامي على تجارة أبي ورفضوا إعالتنا، كنت أصغر من أقف بوجههم وكانت أمي أضعف من أن تقاتل، واكتفت بأن تأخذ مصوغاتها الذهبية لتصرف علينا منها.

ليس سهلا عليها الرجوع إلى المنزل الذي تركته خلفها منذ أعوام مسلمة قلبها وحياتها لرجل تركها بمنتصف الطريق.

عندما سألت أمي ونحن في القطار ذاهبين إلى عطبرة: هل ندمت على حبك لأبي وتركك لأهلك قالت:

حين يصبح الحب أهلك لن تندم، على شيء أبدا.

لماذا كان عليها أن تجاوب بغموض أكثر في كل مرة؟

أيها القلب إلى أين ستأخذني، أي ضريبة علي أن أدفع؟

قلبي الذي بداخلي مثقل بوجع الترحال، كانوا ينادونني " بسليم اليمني " ولكنني لم أتوقف عن البحث عن هويتي، فأنا مطرود قبل أن أخلق بالرحم ومنبوذ الآن من رحمي وأعمامي، ما ضمني صدر جدتي ولا دفء خالي، والسبب عنصرية وقبلية متخلفة، وجهل متجذر، أمقت أولئك الذين يسألون عن القبيلة ليطلقوا عليك حكمهم المبدئي إذا كنت كريما أو بخيلا أو حاسدا أو غير متدين.

قلبي ذلك الذي بداخلي مثقل بالظلم من أعمامي وفساد ساعدهم على تزوير أوراق الملكية لجميع المحال التجارية المشتركة بينهم وبين أبي، لتصبح خالصة لهم، مع علمنا أنا ووالدتي أن المال الذي أنشأوا به هذه التجارة كان في الأصل لأمي وأبي..
قلبي هذا هل سيخفق؟

لن تسحقني الحياة كما فعلت بأبي وأمي، سوف أحياها بقوانين الذين لا يعرفون الخسارة... وقفت بجانب النافذة أتأمل الطريق، رمال على مد البصر ومنازل متباعدة، مشاهد تمضي سريعا ولكنني أتنفس ببطء..

 

*****

 

من قمت من بيتنا ومشيت، ،

بطاقتي صورة مصغرة

شايل معايش شنطة صفيح

حزمة هموم، ،

ولداً متين بقى للسفر

 والإغتراب

والدردرة..

كان الزمان لسع رضي

والناس ظروفها مقدرة

وأنا في القطار أصغر صبي

آمال تفيض متفجرة، ،

لما القطار صفر

وقف
بهرتني صورة عطبرة...

ترى هل كنت بذلك البؤس الذي يجعل فرقة عقد الجلاد تغني لي وحدي؟!!

 

الفصل الرابع

ترررررررررررن  ترررررررررن

عيناي تبصران بنصف إغماضه لذلك الموكل بالإيقاظ يسمى منبها، وامتدت يدي لتضمن سكوته حتى حين.

اليوم أول يوم سأذهب فيه إلى العمل، يجب أن أكون على استعداد تام، نهضت بسرعة واتجهت إلى حقيبتي، تأكدت من كل ما سأحتاجه أوراقي الثبوتية شهاداتي والمقالات التي قمت بكتابتها، وبعضا من كتاباتي الأدبية.

نظرت إلى الساعة فإذا هي السابعة والربع أدرت المذياع بسرعة لأستمع إلى برنامج نجلاء فقد أوصتني أن أسمعها في السابعة وهي تقدم فقرتها الصباحية
"
همسة حب " أتاني صوفتها الدافئ:

- شكرا جزيلا على اتصالك صديقة البرنامج منار، وبنتمنى ليك يوم جميل وسعيد، ولكم جميعا مستمعي همسة حب..

قصة اليوم للبرنامج اقتبستها من مقال للرائع كريم الشاذلي، نستمع مع بعض ونستمتع:

" يحكى يوماً أن صبياً أسمر اللون كان يعاني من استهزاء بعض أقرانه من لون بشرته ، و بينما هو ماضِ في طريقه لمنزله و إذ ببائع بالونات يطلق كل فترة بالونه في الهواء تجذب له الأطفال ليشتروا منه ، و كان الرجل يُنوع في لون البالونات التي يطلقها بعيداً ، ما بين صفراء وحمراء ، وزرقاء ، وخضراء ، لكن ما لفت نظر الصبي الصغير أنه لم تكن هناك بالونه سوداء في الهواء ، فذهب إليه وسأله في تردد: سيدي هل لو أطلقت بالونه سوداء في الهواء ، ستطير عاليا؟! نظر له البائع ملياً قبل أن يبتسم قائلا:

- نعم يا بني ، فإن الذي يرفعها عالياً ليس لونها، و إنما ما تحمله بداخلها."
والخلاصة في المقال:

" ليس اللون ، ولا التنشئة ، ولا البيئة ، ولا الظروف هما اللذان سيمنعان المرء منا من التحليق عاليا ، وإنما ( ما يحمله الواحد منا بداخله من حلم ، وهدف ، وإصرار وعزم ).

(الأكثرية الساحقة) من العظماء هي التي مضت للأمام و قد تمسكت بأهداب حلمها، ويقينها ، وتفاؤلها، فلم يزعزعها حدث ، أو ظرف أو شخص ما. وعلى هذا سرت سنة الله في الكون.

- أحبتي أصدقاء همسة حب، ما تسمحوا لأي عائق يقيف قدام تحقيق اعظم إنجازاتكم، ربنا سبحانه وتعالى أوجدنا لإعمار الأرض، ما ترضوا لأنفسكم أقل مما تستحقون.

ولازم نتذكر إنو كل ميسر لما خلق له، حدد دورك في الحياة وهدفك ضمن قدراتك ومواهبك وهباتك، لازم تعرف إنو كل واحد مننا مسئول من أي نعمة ربنا سبحانه وتعالى وهبها ليهو، ممكن تكون فنان وعندك رسالة تجاه المجتمع، ممكن تكون كاتب، رسام، مهندس، طبيب، مفكر وغيرهم كتير..

المهم إنك تساهم بما تملك وتطور نفسك وتسعى للنجاح والتفوق وتغير المجتمع للأفضل. وبختم الفقرة دي بإني أقول:

" الأحلام تأتي ليلا، ويأتي الصباح لنحققها، ما بين الظلمة والضوء حلم أنت تمتلكه، فإما أن تصحو لتحققه أو تظل مستغرقا في النوم حتى تفقده"

هذه همستي لكم اليوم، واهديها بكل الحب لكل المستمعين ولصديقتي الغالية ليلى، كونوا بخير حتى نلتقي في همسة أخرى أحبكم جميعا.

نجلاء الحسن.

أغلقت المذياع وفتحت صدري للحياة، صرت أردد جملتها الأخيرة بنشوة " ما بين الظلمة والضوء حلم أنت تمتلكه "، كم أنت ساحـرة يا صديقتي تخترق كلماتك القلب وتسكن فيه، تبعثين ذبذبات من الأمل والحب تنثرين السعادة عبر صوتك الشجي.

طاقة جبارة سكنت دواخلي رتبت كل شيء في الغرفة بسرعة واغتسلت وأصبحت في كامل الاستعداد للخروج فإذا بهاتفي يرن:

- ليلى صباح الخير، سمعتيني؟

- أكيد، ما عارفة اشكرك كيف نجلاء، بالجد كنت محتاجة اسمع كلماتك دي
وانا هسة خلاص جاهزة وطالعة مواعيدي الساعة تسعة.

- شربتي الشاي؟

- اممممممممم، صراحة ما مشيت على المطبخ.

- ههههههههه ما تخافي ما حتعملي حاجة انتي، أنا كلمت شيماء قبل ما تطلع الجامعة تجهز الشاي فحتلقيهو في سفرة المطبخ والحركات بتاعة مستعجلة دي ما حتنفع معاي فهمتي؟

- حاضـر سعادتك إلى المطبخ على طول.

- يلا سلام...

 

*****

 

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام ورحمة الله.

- لو سمحت مكتب المدير العام.

- عندك مواعيد؟

- أيوه، ليلى محمود.

- أستاذة ليلى يا مرحبا اتفضلى معاي، المدير بانتظارك.

مبنى الصحيفة مصمم بمستوى عال من الفخامة، الأثاث والثريات واللوحات المعلقة بالممرات والمزهريات ذات الورود الطبيعية، والحديقة الملحقة بالمبنى وبها مقهى صغير يبدو أنه للموظفين فقط، يبدو أن العمل هنا سيروقني، فكل شيء منظم ومرتب كما أحب تماما.

- أستاذة ليلى وصلت يا أستاذ عبدالماجد.

- يا مرحبا بالكاتبة المبدعة، على الموعد بالضبط، اتفضلي يا بنتي.

- شكرا أستاذ.

- تشربي شنو أولا؟

- ياريت موية بس.

- اطلب لينا موية واتنين قهوة.

ثم نظر إلي وقال:

- كاتبة زيك أكيد بتحب القهوة.

- صراحة يا استاذ بحب الشاي باللبن.

لم يتمالك نفسه من الضحك واعتذر لي عن ذلك:

- انا آسف بس ما كنت متوقع الإجابة دي لكن جميل، دا بيدي مؤشر إنك انسانة واضحة وشفافة وصادقة ودا بيأكد صحة قرارنا في إختيارك.

شكرته على إطرائه ومن ثم ناولته الملف الخاص بي، وضعه جانبا وقال إنه سيطلع عليه فيما بعد، وأخرج ملفا من درجه:

- الملف دا فيهو صورة من العقد عشان تطلعي عليهو وفيهو كامل المعلومات عن الجريدة من بداية تأسيسها وأهدافها وقائمة بالكتاب الفيها ووصف لأقسامها، وطبعا القسم الأدبي هو الإضافة القررناها بموجب توصيات اجتماع مجلس الإدارة في بداية السنة دي، واختيارنا وقع عليك لأنك جمعتي بين الدراسة والموهبة وقدرتك على تناول المواضيع والتعبير عنها بطريقة سلسة وبأسلوب أدبي منمق، ولأنو كتير من الخطابات كانت بتصلنا اشادة بمقالاتك الكنتي بترسليها.

- اتمنى أكون عند حسن ظنكم وظن القراء.

- إن شاء الله أنا متأكد من كدا، والملف كمان فيهو تصورنا للقسم الأدبي رؤيته وأهدافه وأنتي ممكن تضيفي أو تعدلي فيهو، بالإضافة لإنك حتتولي التحقيقات الاجتماعية بمعدل تحقيق كل شهر.

كنت أستمع إليه بإعجاب بالغ، رغم أنه اعتراني إحساس الخوف للحظة ولكنه تلاشى وهو يمهلني أسبوعا كاملا لأرتب نفسي على أن أحضر منذ اليوم التالي للصحيفة حتى أتعرف على زملائي ويسهل التعامل بيننا أخذني إلى مكتبي، مكتب كبير أتشارك فيه مع هبة وطارق قسم الإعلانات.

طاولتي بها جهاز حاسوب وطابعة والكثير من الأدوات المكتبية الموضوعة بترتيب واهتمام.

ألقيت التحية على الجميع وذهبنا لأتعرف على الزملاء ببقية الأقسام.

غادرت الصحيفة عند الواحدة ظهرا، خليط من الأحاسيس يعتمل بصدري فرح وفخر وعزيمة.

 

عبق المساء في عطبرة

آه أيها المساء، ،

عام مضى على ذلك اليوم الذي خطوت فيه أول خطوة إلى داخل الصحيفة، عام مضى وأنا اليوم في أول إجازة سنوية لي، أسلمت نفسي لسوادك أيها الليل ليلون ما حولي ويعتم الأحاسيس بداخلي.

آه يا عطبرة لا عجب أنهم يقولون أن معنى أتبرا هو المساء، فكلما خلوت إليك هنا في غرفتي في كل ليلة تحاصرينني بسليم وتذبحين فؤادي بشفرة ذكرياتنا، الورود التي زرعناها سوياً بجانب ورود أبي وأمي وأخبرني أننا سننقلها إلى بينتا بعد زواجنا، الطريق إلى المدرسة، شارع بيتهم، ومحلات الآيسكريم التي زرناها واحدة تلو الأخرى لنقارن أيها يقدم نكهات أفضل.

أو يقولون أن معنى اسمك التدمير، وماذا قد يكون غير ذلك وأنا حطام بين ذراعي ليلك، تطوقني الآلام هنا وتعتصرني ليس بسليم فقط، وإنما عمر أخي أيضا فهو غادر عطبرة وذهب إلى بورتسودان ليعمل مع أبي منذ غادرت أنا خشية أن يسمع من الناس كلاما عني وأقاويل بسبب عملي في الخرطوم، قبل مجيئي بأيام وفور حصولي على الإجازة اتصلت بأبي وأخبرته انني سآتي لزيارتهما في بورتسودان هو وأخي عمر، اتصل بي في اليوم التالي ليخبرني أن عمر لا يريد رؤيتي وسيغادر منزل أبي بمجرد حضوري إلى هناك، ضاقت بي الدنيا حينها أكثر وعدلت عن قراري.

وحسام ابن خالتي الذي سندني وشجعني على قراري، والذي أعده كأخي، ها أنا ذي أرفض رؤيته أو حتى أن أسلم عليه، لا أريد أن أراه فيوقظ في قلبي وجعا آخر لي هو "نور"

لا شيء يربطني ب-هنا سوى أمي وعزة.. بل لا شيء لي هنا سواهما.

 أيام وتنتهي هذه الإجازة البائسة، وأعود للعمل فأنسى..

العمل هو أقراص النسيان التي أتناولها علها تشفيني من وجع الماضي، وتطهر صدري من عوالق الزمن.

 

الفصل الخامس

عدت اليوم من عطبرة، شهـر من الأنين لا بد أن أفعل شيئا مختلفا اليوم لأزيح بعضا مما أصابني من خمول وأستعيد نشاطي ليوم غد فالكثير ينتظرني.

رحت أدور بشوارع الخرطوم، قادتني قدماي إلى "شارع النيل" حيث تحلق روحي فوق مياه النيل، وتعانق عيناي خضرة توتي.

- تشبهين النيل يا ليلى، فأنتي تغسلين مواجعي.

قفزت كلمات سليم إلى ذاكرتي دون إنذار..

لم يكن يتغزل فيّ كثيرا ولكن جملةً واحدة منه كفيلة بأن يتغذى عليها جميع عشاق العالم دائما كنت أقول له:

"زدني من عبير كلماتك فأنا أتمنى أن تخنقني منها كلمة"

أواه يا سليم، هل كنتُ أنا نيلاً رست مركبك على ضفافه لتستريح وتلقي حملها الثقيل عليه ثم تذهب؟

هل كنت عريسا جاء ليغسل قدميه من وحل ماضيك المظلم وتغسل عن وجهك من رهق الأيام ثم تزف إلى الحياة بدوني؟

ولكن الوحل كان عالقا بك ومتشبثا، لم تستطع يوما أن تنسى أحقادك على أعمامك وأهل أمك، لا زلت ترزح تحت وطأة القهر والغبن، قلبك الذي تشبع بالكره لم يكن حبي كافيا ليطغي عليه، ربما استطعت أن أغلف ألآمك فقط إلى حين إشتد عودك فمزقت الغلاف ومضيت لا مبالياً.

أحببتني بعمق أعلم ذلك، حاصرتني بعطائك اللا محدود رغم أنني لم أعاني حرماناً، أغدقت أيامي بهجة وزينت سنوات عمري.

وذات القلب في صدري بادلك عشقا بعشق، قلبي البكر الذي فض حبك عذريته، ولم يمسسه حب غيره.

كنت كزهرة تتفتح على شرفتك تنتظر سقياك الصباحية لتبتهج ويقطر الندى على جبينها، الزهرة التي تمنحها رشة من الماء فتمنحك عطرا وألوانا زاهية.

- الحياة ليست منصفة يا ليلى سأنصف نفسي بنفسي.

- يا سليم ما تقول كدا بتخوفني بكلامك دا.

- أوعى من الخوف يا لولا، حيعطل حياتنا ويمشينا بي مزاجو، لازم نتحدى ونقاوم الخوف ستارة سودا ما ح تخلينا نشوف وراها في شنو، واحنا عايزين نعيش الدنيا بأجمل مافيها، بس انتي معذورة ماعشتي العشتو ولا شفتي الظلم الأنا اتظلمتو.

- برضو حتكرر نفس القصة تاني، الله يخليك أنسى وسامح، سامح من قلبك عشان تقدر تعيش.

- اسمها نقدر نعيش، نقدر نعيش، تاني ما تغلطي وتنسي حرف النون، أنا وانتي كيان واحد عمرو ما ينفصل.

لقد ارتكبت غلطة أكبر وأنا أتمسك بحرف النون، علمتني كيف أنطقه فلما أصبحت أجيده، تركتني لأتعلم من جديد كيف أمحوه من قاموسي.

كنتَ مخطئاً جدا الحياة تنصفنا بقدر ما ننصف نحن الآخرون، حين نتجبر فإنها تتجبر علينا، فما سننفقه سنجده بأية حال.

كم كان قلبك يبدو رقيقا بقربي، لطيفا في حديثك، عطوفا وحنونا، أذوب بكلماتك كقطعة سكر صبوا فوقها كوبا من الحليب، تتهاوى بدلال إلى أن تمتزج به، وكم كانت القسوة تتفجر من عينيك كلما تذكرت بؤس حياتك وظلم أهلك، وصار حديثك كقطعة من جهنم، تحرقني خوفا وتحرقك غضبا، لم أفهم أبدا هذا التناقض الذي بداخلك، ولكني لم أترك للخوف أن يتخذ سبيله إلي كما كنت تنصحني دائماً.

لم يخطر ببالي أن تلك القسوة ستفرق بيننا، ستذهب بإنسانيتك أدراج الرياح، ستنسيك القيم والمبادئ ليسكن مكانها الطمع والأنانية والكذب والنفاق والظلم، صعب علي أن أصفك بكل هذا، صعب يا من كنت بعض روحي يوما ما.

كم تمنيت أن نرقى درج الحياة سوياً، يداً بيد، نترافق الخطى ونزرع الدروب وردا، كنت دائما أحب أن استمع معك لمصطفى سيد أحمد وهو يشدو:

والله نحنّ مع الطيور..

الما بتعرف ليها خرطة

ولا فى إيدا جواز سفر

نمشى فى كل المدائن

نبنى عشنا بالغناوى

.. وننثر الأفراح.. درر

*****

إلاّ باكر يا حليوة

لمـّا أولادنا السمر

يبقوا أفراحنا البنمسح بيها.. أحزان الزمن

نمشى فى كل الدروب الواسعة.. ديك

والرواكيب الصغيرة.. تبقى أكبر من مدن

إيدى فى إيدك نغنى

والله نحنّ.. مع الطيور

الما بتعرف ليها خرطة

ولا فى إيدا جواز سفر

حينها كنت أشعر أنه فقط يعنيني أنا وأنت، فأمسك بيدك وأرسم خريطة على الرمل لبيتنا الصغير، وأنت تمحو رسمتي بيدك الأخرى وتقول أنك لا تريد المطبخ هنا ستزعجنا روائح الأكل، فأمازحك بأنك لن تفلت من الروائح بأي حال فأنت سوف تطبخ الأكل معي، فتضحك وتخبرني إذن سوف" نأكل نيم ونحلّي بي قرض ".

أكلت وحدي النيم والقرض مع إجترار ذكراك كل ليلة، وطعم المرار بفمي لا يزول. ليس أكثر شقاء من أن يغزوك أحدهم ويحتلك ثم يعلن انسحابه فجأة ، يملأ تفاصيل حياتك به، يتسلل إلى نومك وصحوك، بين جلسات الأصدقاء تراه في المقعد الخالي معكم، تبتسم لذاك المقعد فيظن الأصدقاء أن بك مساً من جنون، أليس هو جنون أن تعشق.

نظرت إلى ساعتي فإذا بي قد سرت قرابة الساعتين، حتى هنا يا سليم تطاردني بطيفك؟ كان الجو غائما وجميلا، وينذر بالمطر، أنهكني السير فدخلت إلى أقرب مقهى واخترت طاولة مقابلة.

طلبتُ كوباً من القهوة، القهوة لا يمكن أن تعد مشروباً فقط، هي في نظري قيثارة تعزف لحن شجياً، سوادها الناعم يغري بكل شيء، ما إن تستنشق رائحتها حتى تبدأ في الإنتشار بين خلاياك. وما إن تتذوقها حتى تفتح شهيتك للثرثرة أو الصمت، أو للكتابة، أحيانا تغريك بالغزل.

وضعها النادل أمامي بعناية فتذكرت حينها قول مريد البرغوثي:

" القهوة يجب أن يقدمها لك شخص ما، القهوة كالورد، فالورد يقدمه لك سواك، ولا أحد يقدم ورداً لنفسه، وإن أعددتها لنفسك فأنت في لحظتها في عزلة حرة بلا عاشق أو عزيز، غريب في مكانك"

ها قد قدم لي النادل وردا، أرجو أنها تحتسب.

المطر أعلن عن قدومه بقطرات كبيرة وقوية، مددت يدي خارج المظلة فوق مقعدي لألامسها فإذا هي باردة كالثلج، يبدو أنها ستهطل بغزارة، جلست أراقبها وهي تصفع وجه النيل فيحتويها بشغف فتمتزج بمياهه، كلاهما يمنحان الحياة.

ها أنا ذي والمطر، ،

أراقب قطراته قطرة قطرة كمحلول وريدي ينساب إلى جسد مريض يكفيه شر المرض، وأنا من يكفيني شر الذكريات؟؟

فللمطر سحر يلقي علي بتعاويذه حين يهطل، ويجردني من النسيان.

 

*****

 

ذكرى ثانية بطعم الوجع:

- ألو.... وينك يا سليم إتأخرت ليه؟

- لولا، لولا، آسف شديييييد والله مزحوم جداً في الشغل تقدري تمري علي في المكتب وبعدين نرجع البيت سوا؟

- يا الله منك، هو لو ما حتة مكتب صغيرون وما كملتو سنة مما فتحتوهو عايز تعمل فيها مهم ومشغول؟

- إيه الإحباط دا؟ شركة إسمها شركة، و إنتي مفروض تفرحي لي، وبعدين الصغير بيكبر ولازم أجتهد كدا عشان نوصل بسرعة، انتي سيبك من الكلام هسة وتعالي بسرعة حأخلي الواد يجيب غدا ونتغدا كلنا هنا مع بعض، وعندي ليك اخبار حلوة كمان.

- طيب، امري لله شوية واكون عندك إن شاء الله.

منذ أن أسس مكتبهم الصغير للاستثمار هو وزميله في الدراسة وهو يعمل ليل نهار، حتى والدته أصبحت تشكي من عدم اهتمامه بها، منذ أنت تمت خطبتنا بعد تخرجه مباشرة، أصبحت تلح علي كثيرا لزيارتها ومؤانستها حيث انه يقضي معظم وقته خارج المنزل بسبب اندفاعه في عالم العمل، دعمته هي بكل مدخراتها ومصوغاتها ليؤسس شراكة مع زميله، قامت ببناء الفناء الخلفي الكبير لمنزلهم حتى يتسنى لها أن تؤجره وتصرف من عائده القليل، أزورها تقريبا مرتين يوميا، أحبتني جدا وعاملتني كما ابنتها وكانت تقول لي دائما أن سليم محظوظ بي فأذوب خجلا وأشيح بنظري عنها ويروقها ذلك فتضحك وتتمتم بدعوات ترسلها من قلبها أن نتزوج أنا وسليم قريبا لترى أحفادها وأنا في داخلي أؤمن بصوت عال.

دخلت مكتب سليم وإحساس بالفخر يملؤني، حبيبي شاب مجتهد وطموح، قلت في نفسي بالتأكيد سأشد من أزره سأقف إلى جانبه في أصعب وأحلك المواقف، حتى لو احتاج مالاً لن أبخل عليه، لدي مدخراتي الخاصة فأبي يرسل لي الكثير من المال كمصروف شهري كما يفعل مع عمر وعزة بيد أنني لا احتاج أن اصرف كثيرا فأدخره.

طرقت باب مكتبه وهو غارقٌ في الأوراق:

- لا لا، ، صراحة أنا ابتديت أغير من شغلك دا حرام عليك نفسك.

- لولا يا أحلى مافي الدنيا، انتي لسه شفتي غيرة استني لما أفتح المكتب الكبير ويكون في موظفات كتار وسكرتيرات، انتي اتفضلي أقعدي أول.

- ولا يهمني على فكرة.

- ههههههههههه كلام وبس، نسيتي لما كنا الخميس الفات في حفلة حنة العريس بتاعة جيراننا، لما البت سهير اخت العريس جات ترقص معاي، يا خ انتي وشك قلب مية لون وفجأة اختفيتي، بعدين لقيتك بتبكي في الحوش التاني.

- ياخي؟ هي جات ترقص بس؟ يعني ما مسكتك من ايدك وجرتك، وانت حضرة سيادتك ما كلفت نفسك وسحبت ايدك لا مخليها لغاية ما وصلتو جنب الفنان ورقصتو.

- طيب أحرج البت يعني؟

- لا تحرجني أنا، وبعدين حتقفل السيرة دي ولا أقوم أمشي.

- طيب طيب أنا آسف، سكتت خلاص.

يا لمزاحه الثقيل، غيرتي عليه تفقدني صوابي وهو يعلم ذلك وما زال يؤجج نار غيرتي بحديثه، أعلم أنه يفعل ذلك أحيانا فقط ليغيظني، ولكنني صدقا لا أحتمل.
لحظات الغيرة التي تعترينا كالملح على الجرح، مؤلم حين يكون الجرح طازجا ولكنه يوقف نزيفها بعد حين، تثور ثائرتنا في تلك اللحظة وتتفجر براكين الغضب بداخلنا، ولا نهدأ إلا حين يضع الحبيب يده فوق الجرح ويطبطب عليه ويشعرنا بالأمان فتخبو ثورتنا وتتلاشى كأن شيئا لم يكن.

لا يفهم أنها شعور طبيعي سوي ما لم يخطئ في التعامل معه أو يستهتر به، فيتحول حينها إلى وساوس وشكوك تقتل الحب بدلاً من أن تبقي فتيله مشتعلا.

رغم أنني أسيطر على الانفعال في لحظته، وأعبر بأكثر الطرق استسلاما، سأغادر ببساطة المكان الذي يصب الوقود فوق ناري، وأذهب لأبث لهبي بعيدا، فأخاف أن يحترق سليم به، إلا أن تلك نقطة ضعفي والتي برع سليم في قراءتها ليتمكن من التكهن بما يبخل لساني به، يقول إنني بخيلة في عاطفتي ويشكر الله على أن جعل لي عينين تفضحانني.

في تلك اللحظة تذكرت نجلاء وما حدث لها في بورتسودان كنا عائدين لتونا من هناك، ترى كيف سأشعر لو كنت مكانها، أن أرى سليم يرافق امرأة أخرى يضحك لها ويهمس لها في أذنها! ويل لي إذن.

صحيح أنه تغير كثيرا، ففي بداية تعرفي عليه كان قليل الكلام، الآن هو مرح وبسام أحببت مرحه أكثر ومزاحه.

لعينيه براءة طفل وليد وابتسامته كضوء القمر المكتمل وحينما تتسع لتصير ضحكة فإنها تبرق كأشعة الشمس، ملامحه سودانية جدا كما أعشق تماما، أسمر ساحر..

- يا سلااام أخيرا أنتهيت من الورق دا، هلكني ياخ.. ليلى انتي سرحانة وين؟

- هاه، لا أبدا، يعني خلاص حنطلع؟

- لا معليش موش بالسرعة دي عندي اجتماع كدا مهم جدا جدا بعد عشرة دقايق وحينتهي بسرعة بعداك حنتغدا ونطلع، بعدين أنا مش قلت ليك عندي ليك خبر حلو.

- ما انت قفلت علي بكلام الحفلة أول ما جيت وبعداك بقيت مع الورق، يلا قول سامعاك.

- لولا، حبيبة عمري.. لولا يا كل دنيتي.. عندي صفقة في يدي أول ما أخلصها حنحدد زواجنا.

رقص قلبي طربا عند سماع الخبر وقفزت إلى رأسي الكثير من الأسئلة أين سنتزوج هل نقيم حفلا في المنزل، أين سنمضي شهر العسل، متى سنبدأ بتجهيز مسكننا ماذا سيكون لون الجدران، أريد أن نزرع ورودا كثيرة في الساحة الأمامية، أريد مكتبة كبيرة في غرفة استقبال الضيوف.

يااااااه نسيت أن أعبر له عن فرحتي، هممت أن أنطق ولكن برز رجل من باب المكتب، طرق الباب الذي كان مفتوحاً ودخل.

وقال لي إنه العميل الذي كان ينتظره، جلس الرجل وبدأ الحديث عن صفقتهما ولكنه توقف فجأة ونظر إلي، أخبره سليم بأن يواصل حديثه:

- ليلى خطيبتي ومصلحتها من مصلحتي وأنا ما بدس عليها حاجة تقدر تتكلم عادي.

- يا أستاذ، أفضل نتكلم لوحدنا.

أشار إليَّ سليم أن أجلس على أريكة في آخر المكتب، ذهبت إلى هناك ووجدت عددا من الكتب على الرف فأخذت أقلب فيها ولم أكن مهتمة بحديثهما فعلا غير أن صوتهما كان يصلني خافتا ويمكن أن أعي ما يقولان لو انتبهت.

- الأجهزة الطبية دي كلها ما مطابقة للمواصفات ليها سنتين في المخازن وأنا عندي توكيل ببيعها وصاحبها أساسا قنع منها وهو هسة مسافر برة السودان بعد ما عمل لي التوكيل، وأنا اتصلت بيهو وأقنعتو إننا لازم نتخلص منها بأقل تمن، احنا نظبط الموضوع دا بسرعة قبل ما هو يرجع، ومايعرف بالمكسب الحقيقي واتفقت مع الجماعة الحياخدو الأجهزة يظبطو مستندات بمبلغ أقل بكتييير.

- طيب والناس الحيشتروها ديل حيستفيدوا شنو منها وهي ما مطابقة للمواصفات.

- دا مستثمر بينفذ في مستشفى الأطفال الجديد الحتبنيهو الحكومة في المنطقة والسعر الحياخد بيهو الأجهزة دي أقل بتلاتة مرات من الحيشتري بيهو أجهزة مطابقة.

- طيب ما حيتكشفوهو؟

- ياخ دا مسنوووود ووراهو ناس كبار مش زينا، حيجهزوا ليهو الموافقات الصورية من اللجان الفنية واللجان التانية ويكملو ليهو الإجراءات في لمح البصر.

- في حاجة تانية، هم لما يسلم المستشفى مش في لجان حتجي تقيم؟

- انت حتتعبني معاك، لكن ما مشكلة دايما المبتدئين كدا، اللجان دي ذاتها تحت يدو، القرووش يا صحبي وبعدين ديل بيشتروهم باقل تمن، المستثمر دا مستلم نص تكاليف الإنشاء ولما يخلص حيستلم النص التاني، وحاليا هو قرب ينتهي وما صرف غير نص المبلغ الإستلمو كل شغلو بالطريقة دي، تصريحات من هنا تصديقات من هنا، وأغلبها ما بيدفع قروش عشان يقضو ليهو مصالحو، ناس بتكون عندو معاهم مصالح في أماكن تانية..

وأضيف ليك حاجة كمان عشان تاني ما تسألني، حتى بعد ما يسلم المستشفى ويحصل أعطال أو تخرب أجهزة أو مبنى اتهدم أو أي مصيبة تحصل هو في السليم الأوراق كلها رسمية وممكن التقارير بعدين تبقى زي مثلا سوء استعمال أو إهمال، والموضوع يخلص على كدا..

- لا يا سيدي، أنا جووة العملية، ومن بكرة نبدأ نظبط الموضوع.

-وبكرة ليه؟ هسة أنا جاهز بكل الأوراق انت تاخدها وتشوف شغلك بكرة الحكاية تكون نجضت.

- لكن... خلاص ما مشكلة انت سيب لي كل حاجة وانا حتى لو اضطريت أنوم هنا بكملها.

- دا الكلام النجيض يلا يا أستاذ سلام عليكم.

 - وعليكم السلام نورتنا والله.

مهلا مهلا، إلى من كان يتحدث ذلك الرجل، إن هذا ليس سليم لا، لا أستطيع أن أصدق هذا، لا قلبي ولا عقلي يمكن أن يصدقا ما حدث أمامي، نعم كنت أسمع، التقطت أذني كل تلك القذارة وتلوثت بها.

- يلا ما قلتي لي احساسك شنو والعرس قريب؟

قال سليم هذه الكلمات بعد أن اقترب مني كثيرا ولم أسمع حتى خطواته نحوي.

- سليم، أنت مستحيل تكون جادي في الكلام الحصل قبل شوية، انت متفق مع الشرطة صح، عامل كمين للراجل دا؟

-ههههههههه كمين شنو، احنا في فيلم يا لولا، بطلي جو الروايات الانتي عايشة فيهو دا.

دي الحقيقة، دي الصفقة الحتخلينا نطييير فوق السحاب، ضربة واحدة بس، نعمل زواجنا ونرحل من هنا، ونبدأ حياتنا مع بعض، عارفة حافتح شركة اسميها لوليم.

-..............................
-
ما سألتيني يعني شنو لكن حأقول ليك، مش انتي لولا وانا سليم..بداية اسمي ونهاية اسمك"شركة لوليم للإستثمار"، اسم حلو صح؟..

كان وقع كلامه على كالصاعقة، وكأنني أصبحت خرساء تتطاير الكلمات في ذهني وتأبى أن تتراص لتخرج وتعبر عما أشعر به، لماذا يا سليم لماذا؟

لماذا نشتري مستقبلنا بالغش والخديعة وأموال محرمة، طالما انك قبلت هذه الصفقة ستقبل غيرها وغيرها ستدور في ساقية الفساد كالثور مغمض العينين، لماذا تخذلني فيك بكل هذا القدر.

وجعي يكاد يخنقني، الأرض تدور بي وتدور، ويعتصرني الأسى، أود لو أنني احلم ثم تأتي أمي لإيقاظي وتقول لي ان سليم ينتظرك بالخارج، أود لو أنها هلاوس وكوابيس سأفيق منها..

- ليلى مالك ساكتة؟

- سليم، دي مستشفى أطفال، يعني ممكن حياتهم تتعرض للخطر إذا في يوم الأجهزة دي اتعطلت، حتتحمل ذنبهم، حتتحمل حساب ربنا؟، إنت عارف أهل المنطقة منتظرين المستشفى دا بفارغ الصبر وبيحلمو بيهو من كم سنة، دا أملهم بعد ربنا وفرحتهم. ضميرك حيطاوعك بكل سهولة تعمل كدا؟

-ليلى، لآخر مرة بقول ليك دي فرصة عمري وأنا ما صدقت الراجل دا جاني عن طريق واسطة، وما اختارني عشان سواد عيوني عشان أنا جديد في السوق وعمولتي حتكون أقل من التماسيح الكبار، وبعدين لو أنا ما عملت كدا غيري حيعمل فأحسن أستفيد أنا، وأنا غلطان أصلا إني افتكرت إنو أنا وانتي واحد ومصلحتنا واحدة.

- عارف إني مكرسة علمي وقلمي عشان المجتمع دا يتصلح ويتغير كيف ممكن تتخيل إني أقبل كدا.

- أي مجتمع دا يا أستاذة، المجتمع الشرد أمي وأبوي انصاص الليالي زي المجرمين عشان أفكار متعفنة وقبلية بغيضة؟

ولا المجتمع الرماني في الشارع أنا وأمي زي الكلاب بعد ما أبوي الله يرحمو مات؟ ولا المجتمع الفيهو واحد زي راجل خالتك يغتصب بنتو ويقتلها؟

وريني ياتو مجتمع دا، الحياة أدتني دروس كتيرة وحابقى مغفل إذا سقطت في الإمتحان، لو سمحتي الكلام لغاية هنا انتهى وما حأقبل أي نقاش في الموضوع دا، دا شغلي وأنا حر فيهو وبعمل الشايفو في مصلحتنا.

يا ربي ما الذي يحدث، كيف لم أر وجه سليم هذا من قبل، هل هذه حقيقته ولكن الحب أدخلني في قائمة الكفيفين الخاصة به؟

هل هذا من سأعيش معه بقية عمري، وأؤمنه على حياتي أولادي، كيف سيربيهم يا ترى؟ كيف سنزرع فيهم المبادئ وننشئهم على الفضيلة ونحن نرزح تحت وطأة الحرام. وأنا، سأكون منافقة، سأكتب نهارا عن إصلاح المجتمع وأنبذ الرذائل، أنادي ببتر المفسدين وأؤوي ليلا إلى فراش رجل منهم.

خسرتني يا سليم""

تمتمت في صوت مكسور وخلعت الدبلة من يدي ووضعتها بين يديه، وغادرت والأرض لا زالت تدور وأنا أدور والزمن وحده هو الذي توقف، كنت أسمع صوته وهو يتحدث إلي ويناديني ولكن أذنيّ صمهما نواح قلبي وامتلأتا بصماخ ثقيل من الوجع فلم أعد أميز ما يقول.

هل هذه الشوارع كئيبة هكذا كل يوم أم أنها تؤازرني فقط، والطرقات لماذا هي واجمة، والشجر لما يبدو لي حفيفه كأنه أنين؟

هو الكون ينثر حولي زفة الحزن. ويعزف سيمفونية العزاء.

لا أحب ان تبكي الأشجار، رغم أن بعضها يبكي كنزا من صمغ حين يجرحها الآخرون، هي لن تؤذي الأطفال، لن تقتلهم كما سيفعل سليم وغيره ستحنو عليهم حتى حين يرمون تلك النخلة العالية بالحجارة ستمطرهم تمرا، ستسامحهم وهم يشنقونها بحبل تتدلى منه كراتهم المصنوعة من الجوارب يتقاذفونها بينهم.

دعي النواح والعويل لي وحدي، دعيني ألطم خد الأيام والسنين الفائتة والمقبلة حسرة على ما ابتليت به في حبي من خيانة.

نجلاء يا صديقتي لقد خانني الحبيب كما خانك من تحبين، لم يخني مع امرأة ليته فعل! نجلاء يا حبيبتي هو لم يخني وحدي هو خان معي الوطن، خان ترابا ونيلا، تاريخا ومستقبلا، وأطفالا.

آه يا وطن كم من سليم ينخر في جسدك ويعيث به خرابا، إلى متى ستصمد قبل أن تهوي وتخور قواك.

وصلت إلى منزلي وأسلمت جسدي للفراش، كان باردا كقلبي الذي تجمد الدم به منذ ساعات مضت.

هل أبكي الآن؟

ليس الآن يا ليلى ربما عاد سليم، تصبري قليلا وتمني كثيرا تمني أن يأتيك حاملا الدبلة واضعا إياها في إصبعك، معتذرا، معترفا بخطئه، متنازلا عما هو عازم عليه، إن لم يعد أفرشي شارعا طويلا بالحرير زيني جوانبه بالورد وأشعلي أعواد البخور تزيني وتعطري ونادي ملء صوتك الآن أتقبل العزاء.

لماذا سيكون سرداق العزاء مترفا هكذا؟

عزيزتي، ، ، إنك تنعين الوطن..

 

الراقصة

مرت الأيام على مهل، ولعلها مرت بسرعة، لم أغادر فيها غرفتي، كانت ام سليم تأتي لزيارتي والاطمئنان علي بعد أن اخبرها سليم عن انفصالنا، أمي وأختي تخبرانها أنني مريضة فتصر على رؤيتي وتجلس قبالتي في سرير أو كرسي و أتظاهر بالنوم لم يكن صعبا علي التظاهر فلقد كنت جثة لها قلب ينبض.

وفي يوم أصرت على التحدث معي حتى وأنا امثل دور النائمة، هزت كتفي بعنف:
-
الله يرضى عليك يا بنتي قومي اتكلمي معاي، طمنيني، انا دايرة اتكلم معاك.

-......................

-طيب بس فتحي عيونك، اعرف انك سامعاني وانا حأتكلم من غير ما تردي علي.
فتحت عينيَّ فرأيت في وجهها كل حزن العالم وأساه، فأغمضتهما بسرعة.

-أنا يا بتي ما عارفة الحصل بينكم شنو، كل البعرفو من سليم انك انتي الاخترتي كدا وقلعتي الدبلة من اصبعك، وقدر ما حنستو قال ما بيقدر يدوس على كرامتو ويجي يصالحك.

أمس أصر نمشي نخطب ليهو سهير بت جيراننا بتعرفيها، وأهلها وافقو بعد ما حلف ليهم انك انفصلتي عنو برضاك، العقد حيكون بعد شهر، وحنسافر الخرطوم، قال ما عايز أي عرس حيعملو جرتق بس.

الله يعلم يا ليلى قلبي بتقطع من جوة، الله يجازي الشيطان، أدوكم عين ولا الحصل شنو ما عارفة.

هذه الجثة قلبها كان ينبض على أمل عودته، والآن أخشى على هذا القلب أن يعلن سكوته وينسحب من مسرحية الموت الناقصة لتكتمل.

"سهير"؟

 

يا لسخرية القدر..

 

*****

 

- يا أستاذة، المطرة زادت شديد ممكن تتفضلي تدخلى الصالة.

هكذا قطع النادل تفكيري بعد أن عجزت شدة المطر عن لفت انتباهي إذ لا زلت في المقهى

- تمام هسة ح أدخل.

- اسخن ليك القهوة شكلها بردت.

- لا شكرا، ممكن شاي بلبن؟

- حاضـر اتفضلي جوة، دقايق ويكون عندك دخلت إلى الصالة وقد نلت نصيبي من البلل فأحسست بالبرد، اخترت اقرب معقد وجلست عليه، ما هي إلا لحظات إلا ودخل شاب وفتاة ممسكين بيد بعضهما البعض كانا مبتلين تماما، واضح أن ذلك لم يزعجهما فصوت ضحكاتهما قد اخترق الصالة الهادئة، حولت نظري عنهما إلى النافذة بالقرب مني.

- أستاذة ليلى، يا محاسن الصدف.

لم يكن الشاب إلا المحامي خالد الذي قابلته في طريقي إلى الخرطوم قبل عام، صافحني وقدمني إلى خطيبته:

- سهير.

التفت إليها لأصافحها وأحييها، إنها هي، هي غريمتي التي انتقم سليم بها مني يوما ما، الفتاة التي أخذت بيده وراقصته وأحرقت قلبي في المرة الأولى ثم أخذ هو بيدها وأحرق قلبي ثانية، لابد أنهما انفصلا.

- ل.. لي.. ليلى.

مدت يدها لتصافحني فرددتها، أصابهما الوجوم ولكنني قمت من مقعدي وعانقتها بحرارة، ما الذي دفعني إلى ذلك، هل تصورت أن عطر سليم قد يكون لا يزال عالقا بها. هل أردت عناقها أم شنقها، هل يعاقبني المطر مرة أخرى لم يكتفِ بجري إلى ظلال الماضي ولكنه أتاني بدليل على خسارتي وخذلاني.

- انتو بتعرفو بعض.

تسآءل خالد في دهشة،

- احنا اتربينا في حي واحد جيران يعني من كنا صغار، ودرسنا من الابتدائي لغاية الثانوي مع بعض، وكنا صحبات شديد بس افترقنا بعد الثانوي لأني ما كملت جامعة ولولا انشغلت بدراستها وبعداك شغلها.

قالت سهير باختصار كأنها لا تريدني ان أذكر كيف أخلصت لتلك الجيرة والزمالة، ابتسم خالد وأخبرها عن لقاءنا الأول في الباص عند قدومنا من عطبرة واستأذنا في الجلوس معي، كان لا يزال ممسكا بيدها الأخرى فأجلسها وجلس بقربها وأخذ يحكي لي كيف أنهما جريا تحت المطر والكل ينظر إليهما وهما لا يباليان، كنت أريد أن أخبره أن السعادة فعلا تشع منهما ولكنني فضلت السكوت، لو قلت ذلك فهذا يعني اعترافا مني لسهير أنها انتصرت علي مرتين، حرمتني من حبي وفازت به، ومن ثم فازت بحب آخر وأنا لازالت خطاي تتعثر بسليم وأكبو في طريق الحب. استأذن خالد ليجيب على مكالمة هاتفية فانتهزت سهير الفرصة:

-ليلى، أنا عارفة كلامي هسة ما حيعني ليك حاجة، أنا جد ما وافقت على سليم إلا لما عرفت إنك انفصلتي بإرادتك، لكن أنا وهو انفصلنا من سنتين، ، حياتنا كلها كانت مشاكل، وما قدرنا نكمل مع بعض، والسبب الاول في مشاكلنا انتي، كان بيغلط في اسمي طول اليوم ويقول لي ليلى، لو كتب لي رسالة في التلفون يكتب اسمك، تصوري مرة كنا داخلين الدكتور وهو بيملي في البيانات سألوه اسم المدام قال ليلى.

- الكلام دا أوانو فات.

- خليني أكمل الشغل كان سبب كمان، ليل نهار في المكتب، وإنتي عارفة أنا ما درست جامعة قاعدة في البيت مقابلة الحيطان، ورافض شغلي بحجة إننا ما محتاجين، أما السبب الأكبر لا الزمان ولا المكان مناسبين عشان أقول ليك.

- سهير أنا الموضوع ما بيهمني الآن أنا سمعتك بس عشان انتي كنتي عايزة تتكلمي، باقي التفاصيل ياريت تعفيني منها.

- على من أكذب؟

بل يهمني كل شيء ويعنيني، يهمني ماذا كانت تطبخ له على الغداء، وكيف كانت تودعه في الصباح وهو ذاهب إلى عمله، هل كانت تعصر البرتقال وتعد له كوبا من العصير الطازج؟ هل كانت تحضر له وجبات خفيفة تضعها له في حقيبته، هل كانت تقبله وهو عند الباب، هل قال لها يوما يا حبيبتي؟

هل يحتضنها بعد عودته من العمل ويقول لها: اشتقت إليك؟

يهمني لون قمصانه ورائحة عطره، لمعة حذائه وتصفيف شعره.

ليتني استطيع ان أسالها عن كل شيء متى انفصلا وقرار من كان؟

ليتني استطيع أن أصرخ بوجهها هل آلمته؟هل آذيتي قلبه؟

عاد خالد إلى الطاولة وهو يحكي لسهير بحماس عن المحادثة قبل قليل وأن منزلهما قد شارف على الانتهاء، هنأتهما فأخبراني أنهما سيحددان موعد الزفاف بعد اكتمال التشطيبات الأخيرة، طلبا عنواني ورقم هاتفي ليتمكنا من دعوتي، أعطيتهما كرت الصحيفة وبه أرقامي في المكتب ورقمي الخاص.

قبل خالد يدها وراح يخبرها عن مدى سعادته بقرب زفافهما، أما أنا عدت أراقب المطر وازداد إحساسي بالبرد فأمسكت بكوب الشاي مع الحليب بكلتا يدي وبدأت أرتشفه عله ينزل دفئا وسلاما على روحي.

ما إن حل المساء حتى توقف المطر.. استأذنت من خالد وسهير لشعوري بأنهما مستمتعان ههنا ولا رغبة لهما للمغادرة..

 

الفصل السادس

- سلام عليكم نجلاء.

- ليلى بتبالغي ياخ، كنتي وين لغاية الآن مع المطر دا كلو، تلفونك مقفول واتصلت بالجريدة قالو ما جيتي لأنو أصلا اجازتك بتنتهي اليوم ومفروض تنزلي بكرة.

منذ مجيئي ونجلاء تعاملني كأختها الصغيرة تخاف علي وتبالغ في حمايتي، تقول لي إنها تشعر بالأمان حينما تحمي الآخرين وليس حين يحميها أحد.

فلا أحست بالأمان ووالداها اللذان هما مسئولان عنها وأختها تغربا لأكثر من نصف عمرهما غير آبهين بما يمكن أن يواجهانه وهما فتاتان تعيشان بمفردهما في بيت كبير، ولا أحست به بعد أن انفصلت عمن أحبته وأملت في أن يهديها بيتا ويحيطها بأمانه وحمايته.

قالت لي إنها حين تحمي أحدا تكون متأكدة أنها لن تخذله لأنها تثق في نفسها وهذا يعطيها قوة أكبر.

اعتذرت لها عن تأخري وعدم إبلاغي لها بمكان وجودي، ولكنها لاحظت تغيري وألحت علي لتعرف ما بي، حتى قصصت لها ما حدث في المقهى.

احتضنتني بذراعيها وقالت لي:

" يا طفلة الحب المدللة كم أرجو أن تكبري "

- إنتي كبرتي؟

- كبر عمري... وما كبرت على الحب.

- نجلاء صارحيني في كلام في عيونك.

 

- أنا حبيت.

نجلاء تحب؟

كيف هذا؟

كيف لم أعرف من قبل، استجوبتها عن كل تفصيلة صغيرة، أخبرتني من بداية البداية وهي تطوقني بذراعيها، هو لا يعرف شيئا عن شعورها نحوه، تقرأ الإعجاب في عينيه وتود لو أنه ترجم ما يحسه إلى كلمات، وبعد أن أخذتني إلى قمة الأحاسيس، عادت وأودعتها الحضيض.

- بس أنا خايفة.

- من شنو يا نجلاء؟

- من كل شئ، أنا مش صغيرة يا لولا والعمر مش بينتظر، لو علي هين، بس أهلي ونقتهم، الجيران، أمي حتى وهي بعيدة عني حتى وهي مقصرة في عاطفتها نحوي كل يوم بتتصل وتسمعني كلمتين من اللي قلبك يحبهم، وتذكرني إني واقفة على عتبة العنوسة.

- معقولة الكلام دا يطلع منك انتي؟

- المجتمع ما بيرحم، وكلماتو زي السم ممكن تسري فينا وتقتل كل ايجابيتنا وتفاؤلنا وثباتنا، في كل مناسبة أمشيها بتجرح بالنظرات ومرات الكلام الصريح:

أها انتي متين، ماقربتي، منتظرة شنو، ماعندك حاجة تاني إلا العرس.

والزن على الودان أمر من السحر على قولهم.

خايفة أضطر أقبل بعريس من الكل شوية مرسلنهم لي مرة في الإذاعة، ومرة خالتي تقول لي عازماك غداء والقى الموضوع عريس، ومرة أمي من برة ترشح ناس تحرض أعمامي يضغطوا علي عشان أوافق.

- كل دا جواك وساكتة؟

- وأكتر، حقيقة وجودك في حياتي أكبر سبب لإني أعيش الحياة بحلوها ومرها وأصبر وأسعى للأنا عايزاهو، ربنا سبحانه وتعالى رسلك في أكتر وقت كنت محتاجة فيهو لصديقة زيك، خسارة محمد ما كانت ساهلة علي، وبالطريقة البشعة الخسرتو بيها.

كان فراقنا ممكن يدمرني، بس ربنا نجدني بيك، حبك للحياة وطموحك وصبرك ودعمك لي، وتفاؤلك، خلاني أقدر أتجاوز المحنة في أسرع وقت، ومما رجعت من بورتسودان وقتها جاتني فكرة " همسة حب " واجتهدت فيها وانشغلت بيها عن كل شئ، والحمد لله نجحت وكل يوم متابعينها بيزيدوا.

عاود المطر الهطول مرة أخرى وظللنا طوال المساء، نردد في همسات الحب كالسكارى، وأرسلنا كثيراً من الدعوات إلى السماء، عل الإجابة تكتب لها في حضرة المطر، تلونا معا أعذب أشعار نزار قباني، أغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ.

 

الزمن المثقوب

تلقيت اتصالا من استقبال الصحيفة يخبرني أن لدي زائرة تقول أنها قريبتي واسمها سهير، دلوها على مكتبي، دقائق ودخلت سهير من باب المكتب، تفاجأت بزيارتها وتضايقت. ألقت التحية وقالت إنها تريد التحدث إلي في مكان آخر غير المكتب، ولما كان لدي اجتماع بعد ساعتين لم يكن بإمكاني مغادرة الصحيفة فدعوتها إلى المقهى بالحديقة الخارجية.

- يمكن إنتي مستغربة زيارتي طبعا، بس لابد من إني كان أعمل كدا، في كلام كتير نفسي أقولو ليك بس اليوم داك مع خالد ما قدرت أحكي ليك.

- إذا كان الكلام بخصوص سليم ما عايزة اسمع حاجة.

- لا حتسمعي، ما حاطلع من هنا إلا لما أقول اللي جيت عشانو.

- اتفضلي وياريت بسرعة عشان عندي اجتماع.

- حاضر، أوعدك ما حتتأخري عليهو..

زواجنا أنا وسليم تم بسرعة شديدة وبدون مظاهـر فرحة زي ما أي بنت بترسم ليوم عرسها، ما كنت بعرفو كويس ولا هو بيعرفني، أيامنا الأولى كانت صعبة جدا بالذات مع اسمي البيلغط فيهو كل شوية، ماكنت بظهر إني متضايقة شديد قدامو، وأول ما يطلع من البيت ببكي زي الطفلة الصغيرة، إحساس قاسي تعيش مع إنسان بكل كيانك وهو فاكرك إنسان تاني.

الوضع كان صعب علي شديد، وامو كانت عايشة معانا، صحيح إنها في حالها بس دايما كانت بتقيف في صف ولدها لما يحتاج الأمر، فطلبت منو أرجع لأهلي وهو يجيني متى ما يقدر، رفض، بس كتر خيرو نقل أهلى الخرطوم وكان بيساعدهم في الإيجار، أي نعم كانو بعيدين مني في الأطراف بس على الأقل بقدر ازورهم ويزوروني بدون سفر وتعب.

- معناها كان باقي عليك شديد، وما عايز يبعد عنك.

- يمكن عمل كدا لاحساسو بالذنب تجاهي، كان بخليني اليوم بطوله من غير ما يسأل فيني ولو بتلفون، قررت أعمل برنامج لنفسي عشان أقدر أتحمل الوضع، كان في مكتبة عامة قريبة من البيت، قلت أجرب أقرأ كتب، كنت بتذكر دايما كلامك عن القراية في المدرسة وبتجي تحكي لينا بالكتب القريتيها، بقيت بطلع من الصباح أمشي المكتبة، حسيت بمتعة كبيرة وبقيت اندمج في الكتب لدرجة اني كنت لازم اعمل منبه في التلفون قبل مواعيد رجعة سليم عشان الحق اجهز ليهو الغدا ومرات اطبخ من بالليل عشان اقدر اقضي اطول وقت في المكتبة..

- تفكير جميل.

- بس امو ما كان الوضع عاجبها، وبدت تتكلم مع سليم في الموضوع، لدرجة إنو بقى يراقبني وانا ماكنت عارفة.في المكتبة طول الوقت قاعدة في مكاني وبقرأ، خالد كان من المداومين على المكتبة بس مش كل يوم، كم مرة اتلاقت عيونا مع بعض بس كنت بغير نظري بسرعة منو، اتكرر الموضوع كتير وحسيت انو مركز معاي، حتى بعد فترة بقيت كل ما اخلص كتاب وارجعو بسرعة يمشي يشيلو عشان يقراهو، بقيت بتوتر جدا واتضايق خصوصا وانو مظهري ما كان بيدل على اني متزوجة لا في لبسي ولا حتى زينتي وسليم ماكان مهتمي بالموضوع، حتى الدبلة ما كنت بلبسها.

- أنا كدا كأني بديت أفهم.

- تفهمي شنو؟، خليني أوضح ليك، صح سليم ماكان بيهتم بي ولا بيحس بي حتى، لكن لو اموت ماكنت حأفكر أخونو، وبالعكس كنت متضايقة جدا من خالد، لكن القدر رتب كل شئ عشان نتلم انا وهو.

سليم كان بيراقبني من غير ما أحس، ولاحظ لخالد وانو بيركز معاي وكان منتظر اللحظة البيقبضني فيها متلبسة، كنت بجيب معاي ورق واكتب ملاحظاتي عن كل كتاب ألخصو أو أكتب خواطر بتجيني وأنا بقرأ، خيال سليم المريض صور ليهو اننا بتراسل مع بعض بجوابات بنختها جوة الكتب لما شاف خالد بيشيل أي كتاب أنا أرجعو.

- معقولة سليم يفكر كدا؟

- وأكتر وأكتر، الوسواس بيعمل اكتر من كدا، عارفة! لو كنت حسيت إنو العمل ودا والمراقبة دي غيرة علي كنت فرحت بس هو و لقاها فرصة اصلا عشان يتخلص من الكنبة المرمية في البيت بدون فايدة وما مناسبة مع باقي الطقم ، بدل ما يخصـص وقت لينا نقرب فيهو مع بعض بحجة مافي زمن، قدر يخصـص وقت يراقبني فيهو ويخلي كل اشغالو، لغاية ما يوم حصل الكان بيتمناهو.

تصوري، كل ما كنت أكلمو في موضوع الأولاد يقول لي أنا مافاضي لي تربية، شغلي ماخد زمني كلو ولسة الكلام دا بدري عليهو، كنت بطلب منو على الأقل نمشي نعمل فحوصات عشان لو في شئ يبقى نتعالج لغاية ما هو يقرر الوقت المناسب عشان نجيب أولاد كان بيرفض ويعمل مشكلة أو يخلي البيت ويطلع.

بقيت راضية وصابرة والمكتبة هي شغلي الشاغل ومالية وقتي.

يوم وأنا في المكتبة بعد ما خلصت كتاب و رجعتو في الرف، خالد جا شالو ولما فتحو لقى الورقة الكنت بكتب فيها ملاحظاتي ناسياها في الكتاب ولحقني بيها وهو بيقول لي:

- لو سمحتي يا أخت نسيتي الورقة دي في نص الكتاب.

ولما مديت يدي عشان اخدها فجأة سليم ظهر بيناتنا وخطف الورقة وما خلى لفظ ما وصفني بيهو خاينة، مخادعة، وضيعة وكذابة والناس بتتفرج علينا وخالد واقف وما فاهم حاجة سليم حتى ما اداني فرصة حتى أتكلم واشرح يادوب بقول ليهو افتح الورقة وشوف فيها شنو قعد يصرخ:

- أفتحها عشان أقرأ كلام الحب والغزل، ولا عشان اصفق ليكم وإنتو بتلعبو بي زي الطرطور، لا يا مدام.. أقرا عشان أشوف كذبك وخداعك لي .

شرط الورقة يا ليلى حتة حتة وأنا ببكي وبترجى فيهو بس يفتحها ويتأكد من الفيها وبعداك يعمل العايزو، ضربني ورمى علي يمين الطلاق قدام الناس ومسك خالد عشان يضربو الناس اتدخلو وجروهو برة المكتبة، فضحني وشوه سمعة خالد.

أكاد لا أصدق ما تقوله سهير، من هذا الذي كانت تحكي عنه، إنه ليس سليم، ليس من أحببته ولا أزال.

ضج قلبي وعقلي وعصفت الأفكار برأسي، هل تكذب، لا يمكن أن تأتي هنا فقط لتكذب علي، أم أنها خافت أن أسمع عن قصتها من أحد آخر وأصدق أنها فعلا خانت سليم؟

- بعد الحصل، أخدت حاجاتي ومشيت لأهلي، وتم الطلاق وأخدت ورقتي..
خالد أصر على ناس المكتبة أنو ياخد تلفوني من الإستمارة اللي كنت مسجلة بيها عندهم، رفضو كتير بحجة إنو ما مسموح ليهم وإن ودي خصوصية عملائهم، بس ألح عليهم وأكد ليهم أهمية الموضوع وبما إنهم شافو الحصل قدام عيونهم وانهم بيعرفوهو شخصيا وعارفين إنه شخص محترم أدوهو الرقم، اتصل علي واعتذر عن الحصل واصر يقابلني ورفضت، بس ما استسلم وفضل يلح علي كل يومين تلاتة لغاية ما وافقت وقابلتو.

قال إنو عايز يعرفني بنفسو عشان يشوف إذا كنت حأقبل أرتبط بيهو، اتفاجأت من كلامو خصوصا إنو قال ما عايز يعرف عني أكتر من البيعرفو، وكفاية عليهو إنو متأكد من إني إنسانة عفيفة وكنت محافظة على نفسي من نظراتو ومتابعتو وإنو هو الخرب حياتي.

هو ما عارف إنها كانت خربانة أصلا، وهو جا عشان يعيشني الحياة من أول جديد، بيحبني ويخاف علي، وعرفني شنو معنى كلمة سعادة، وعوضني عن كل دمعة ذرفتها قبلو.

- ربنا يهنيكم ويخليكم لبعض.

- أنا ما جيت عشان دا كلو، جيت أقول ليك لو بتحبي سليم أرجعي ليهو، ما تخلي عمرك يعدي من غير ما تعيشيهو جنبو.

هو محتاج ليك عشان يرجع سليم زي أول.

- أنا اتأخرت على اجتماعي ولازم استأذنك الآن.

- فكري في كلامي وراجعي نفسك، أنا متأكدة أنو منتظرك ومتأكدة انك لسة عايزاهو والدليل انك ما ارتبطتي لغاية هسة، القرار في يدك، لو كان هو مكابر، اتنازلي انتي، بس كفاية تتعذبوا اكتر من كدا.

أتنازل؟

متى تكبرت ومتى تخليت، فليخبرني أحدهم؟

لقد تجبر على سليم حين أصر على أن يخذلني ويختار المال عوضاً عني، أن يختار الرفاهية الترف ويبيع الرضا والقناعة.

ما انتظر حتى نرتقي على الدرج معا ولكنه اختار صعود الأسانسير وحده، ها قد تعطل به وتعب من الوقوف على قدميه منتظرا عودة تيار حب ليلى، وأنا التي ارتقيت الدرج وحدي وقفت في منتصفه فهناك درجة مفقودة أمامي اسمها "سليم" وواحدة مفقودة خلفي باسمه، فلا استطيع التقدم ولا الرجوع إلى الوراء، محاصرة به، ملأته بي وملأني به ولكن الزمن كان مثقوبا.

تعبت أنا وأرهقتني الأيام بعده

تعب هو وغيرته الأيام من بعدي

ومن منا لا يتعب إذا كان وحده

توقف المطر عند حلول المساء.. انتهزت هذه السانحة فاستأذنت من خالد وسهير اللذين غارقين في جلستها التي ربما تطول..

 

الفصل السابع

أدرت المذياع في السابعة تماما، أصبح سماعي ل"همسة حب طقساً صباحياً أبدأ به يومي، مالي أنا والصباح؟

أوقعني في شباك العشق يوما بلقاء سليم على عتبة بابي فاحتل عتبة قلبي وداخله، تقول أحلام مستغانمي في روايتها فوضى الحواس:

" أحبّ قصص التلاقي.. في كل لقاء بين رجل وامرأة معجزة ما ، شيء يتجاوزهما، يأتي بهما في الوقت والمكان نفسه، ليقعا تحت الصاعقة إياها.
ولذا يظلّ العشاق حتى بعد افتراقهما وقطيعتهما ، مأخوذين بجمالية لقائهما الأول. لأنها حالة انخطاف غير قابلة التكرار، ولأنها الشيء النقي الوحيد الذي ينجو من ما يلحق الحبّ من دمار ".

ولا زال الصباح قصة التلاقي التي تأسرني على مدى الأيام، وأهداني صديقة العمر في صباحات بورتسودان وإشراق شمسها على شاطئها الأزرق، وأنا في توق إلى المزيد من عطاءه.

يأتي صوت نجلاء عبر الإذاعة فارداً جناح الأمل بين أضلعي:

"مع كل إطلالة شمس كثيراً ما نبحث عن ذلك الإشراق الواعد في حياتنا ولسنا جمعا ننتظر ذات الأشياء. منا من ينتظر أن يشرق عليه الحب، وآخر ينتظر سفرا أو عملا، أو عودة غائب، ننتظره كفتح قادم حاملاً في طياته الفرح..

اقتربوا لأهمس لكم أحبتي المستمعين، إن الفتح ذاتي جدا، داخلي بحت ينبع من بين جوانحنا، اقتربوا من أنفسكم أكثر ولا تبحثوا بعيدا، حينما تشرق شمس الصباح تضيء الدنيا بأسرها، وتضيء أرواحنا بالأمل مقروناً بـ "حسن الظن بالله" ستطرد كل عتمة ظلت تؤرقنا، ستشرق قلوبنا معها، وتغمر دواخلنا بدفقات من الفرح المنساب تعبر مسارب الوجدان، ومسام الروح وتترك بقعة من نور في كل سنتمتر مكعب تمر به..

الشمس دافئة كأحاسيسنا، والسماء صافية كالقلوب من حولنا، والأزهار تتفتح فتتفتح للحياة أمانينا واثقة بالله ومطمئنة..

للكون دوماً أسرار يهمس بها لأرواح أدركت معناه وتأملت عطاياه، ،

والصباح سر الكون المكشوف، يهمس لأرواح نقية وعذبة تعشق الحياة

هذا هو الصباح

تأملوه ثم انطلقوا

ابتسموا للحياة فستخجل ألا تبادلكم بابتسامة أجمل.

هكذا ختمت نجلاء همسة الحب، من يجرؤ على الخروج للعمل بوجه عابس مع صوت نجلاء وكلماتها التي تحملك على الإنجاز وتسوقك إلى العمل على بساط الريح.

عام مضى على عملي بالصحيفة، تقدمت فيه أكثر مما كانت تتوقع تلك الفتاة التي خسرت من أجل مبادئها حبيبا وشريك عمر، ومن أجل أحلامها أخاً، فآمنت أنها لا بد أن تدفع باستمرار لتواصل مسيرة حياتها .

تطور القسم الأدبي كثيرا مما كان عليه في البداية، ساعدتني الإدارة كثيرا، فهي تدرس كل المقترحات التي كنت أقدمها وإن تبين لها أنها تستحق التنفيذ لا تتأخر لجعلها واقعاً، وليس مقترحاتي فحسب بل حتى مقترحات أصدقاء الصفحة تأخذ حيزها في التنفيذ.

حوت الصفحة مقالات أدبية بقلمي، وقراءات نقدية للكتب الأدبية والروايات العالمية بأشهر الأقلام الناقدة في الوسط الأدبي، ومسابقة القصة الصغيرة الربع سنوية للقراء، وكانت الجائزة تقدم في احتفالية مصغرة بمقهى الصحيفة بحضور الإدارة وقراء الصفحة المميزين بدعوات شخصية ترسل إليهم.

وآخر المقترحات التي تم تنفيذها فعالية "إني أقرأ" الشهرية وهي رواية يتم ترشيحها من القراء من بين ثلاثة روايات ويقومون بقراءتها وإرسال آرائهم عنها، وأبرز أهداف الفعالية نشر ثقافة القراءة وتطوير لغة القارئ لترتقي كتاباتهم وربطهم بالصفحة أكثر وشحذ مهاراتهم النقدية.

يقول الجميع عن الصفحة أنها أصبحت حدثا ثقافيا في الوسط الإعلامي..

وبذات الخطى تسير التحقيقات الاجتماعية، حيث خصصت لها فريقا استشاريا خاصا من علماء اجتماع وأطباء نفس وخبراء آخرين.

كان لدي الكثير من المهام، أصعبها قراءة بريد الصفحة والرد على القراء والاهتمام باقتراحاتهم وعرضها على الإدارة، تحرير الصفحة، البحث عن مواضيع للتحقيقات.

كان رئيس التحرير معجباً جدا باجتهادي وإتقاني لكل ما أقوم به، كان يحفزني باستمرار ويثني على أدائي.

استدعاني المدير ذات يوم إلى مكتبة، وسألني إذا كنت مهتمة بقضايا الرأي العام والتحقيق في قضايا صعبة.

- دا هدفي من أول يا أستاذ، كان لازم أتدرج في الشغل وأثبت كفاءتي في الأول عشان الجريدة تثق فيني في تحقيقات زي كدا.

- وأنا أقدر أقول ليك إنك مش أثبتي كفاءتك وبس لا، إنتي أديتنا دروس في الإخلاص والتفاني والعمل الجاد وحتى أحييتي روح التنافس بين زملائك وضخيتي دماء جديدة من الأفكار والمقترحات.

وحقيقة في بعض القضايا محتاجة جرأة ومحتاجة صحفي ذكي وقوي، ومتأكد إنك الشخص دا، فإذا كنتي عايزة تنتقلي للمستوى دا أنا ما عندي مانع وبرحب بأي فكرة من أفكارك.

- العفو يا أستاذ أنا الإتعلمت منك أعظم دروس وحتفضل معلمي في المهنة دي لآخر عمري، واتعلمت من زملائي ومن أي عامل في الجريدة دي.

 

غمرتني السعادة بتلك الشهادة من رائد من رواد الصحافة، وعلما من أعلامها، أحسست بالإنجاز أول خطوة في طريق الحق الذي أنشده، طريق التغيير والإصلاح وكم هو صعب.

بعد الاستعانة بصحفيين وكتاب في قضايا الرأي العام ومحللين، بدأت الكتابة الحرة خارج إطار الأدب، في الصفحة الأخيرة من الصحيفة، كنت متخوفة من ردود أفعال القراء على هذا التحول، ولكنها جاءت مؤيدة ومشجعة على ألا تؤثر على الصفحة الأدبية.

طرقت الكثير من الأبواب المغلقة، بقدر ما أسعد ذلك رئيس التحرير بقدر ما أقلقه، لذا كان يسديني الكثير من النصح والتوجيهات، وقدرت اهتمامه ودعمه كثيرا ولم أكذب حين قلت إنه معلمي.

 

*****

 

رن على هاتفي ذات يوم أدرت زرة فإذا به موظف الاستقبال بالصحيفة:

- أستاذة ليلى في ست كبيرة في السن مصرة إنها تقابلك.

- أنا مشغولة الآن، لو بتقدر تكتب خلوها تعمل مذكرة، ولو ما بتعرف خليها تملي حد يكتب ليها وانا أخد منكم الورقة في المساء.

- كلمناها والله لكن يا أستاذة قالت مكن تنتظرك للمساء لغاية ما تخلصي وقاعدة قدام الباب.

أغلقلت خط الهاتف، ونزلت إلى الاستقبال فإذا بسيدة كبيرة في العمر تجلس على الأرض أمام الاستقبال فأشار لي الموظف بأنها هي من تنتظرني.

- أنا ليلى يا خالة تعالي معاي.

مددت لها يدي فاستندت عليها وما إن وقفت على قدميها حتى بدأت في البكاء ومناشدتي بمساعدتها، حاولت تهدئتها دون فائدة طلبت لها كوبا من الماء والعصير

وجلسنا في غرفة صغيرة ملحقة بالاستقبال، انتظرتُ حتى تبدأ بالكلام ولكنها سكتت طويلاً

- والله يا بتي أنا بريدك من جوة قلبي دا، بناتي كل يوم يجيبن الجريدة ويقرن في كلامك السمح، أنا بعرف أقرا لكن النظر مع السكري والكبر خلاص بقى في الناقص.

- تسلمي يا خالتي بقدر أساعدك بي حاجة؟

- حلفتك بي الله ما تزهجي من كلامي، أنا لولا الحوجة ما قطعت المشاوير وجيت لي هنا اعتبريني أمك واسمعيني للآخر.وانتو ناس الجرايد كلمتكم أمانة في رقبتكم وانتي كلمتك باريتي بيها ضميرك ومشيتي في طريق الحق.

رغم أن مقدمتها تنبئ بأن شيئا ثقيلا يجثم على صدرها وأنني بسماعي لها أحمل نفسي مسئولية مساعدتها إلا أنني طمأنتها وأبديت استعدادا لذلك دون أن يكون لدي أدنى فكرة عما تحمله بين طيات حديثها.

بدأت الحديث بتنهيدة طويلة وزفرة حرى، لها من البنات ثلاث يدرسن بالجامعة، والدهم مصدر الدخل الوحيد لهن يكسب رزقه يوما بيوم من قيادة مركبة للنقل في خط المواصلات العامة، أصيب منذ عامين بفشل كلوي، تدهورت بعدها صحته بسرعة مما أقعده عن العمل واضطر لتسليم الحافلة إلى سائق آخر أصبح يقتسم معهم اللقمة، تقول إن كل ذلك لم يهز إيمانهم صبروا على الابتلاء وضيق العيش، ترافقه ثلاث مرات في الأسبوع لجلسات الغسيل الكلوي، يتحمل الآلام ويجاهد من أجل بناتهم.

واصلت نفث الزفرات بنفس أثقل، وقالت إن معاناتنا بدأت منذ شهرين حيث تعطلت كل الأجهزة فجأة بمركز غسيل الكلى الحكومي الوحيد وأصبح عليهم أن يشدوا الرحال إلى المراكز الخارجية والتي تكلفهم مبلغاً وقدره في كل جلسة، فأصبح هناك فم ثالث يقتسم معهم اللقمة، وضاقت ذات يدهم أكثر فأكثر.

أصبحت الكلمات تخرج منها متقطعة فاستعانت بجرعة ماء لتكمل، أن هذا ليس بحالهم وحدهم فمئات من المرضى غيرهم يتجرعون المر من نفس كأسهم، ومنهم من قدموا من الولايات خارج الخرطوم، تركوا أهلهم وأطفالهم بلا معيل، ومنهم من فارق الحياة لعدم قدرته على دفع تكاليف الغسيل في المراكز الأخرى، قالت إنهم نظموا إضرابا في الشارع أمام مركز الغسيل عسى ولعل يجدي شيئا ولكن الحال لم يتغير، ولم يتم إبلاغهم بموعد معين تتم فيه صيانة الأجهزة ولا أعلنوا لهم عن حلول ولو مؤقتة.

- لو تكتبي لينا في الموضوع دا يا بتي نشوف المسئولين رأيهم شنو، احنا والله فترنا والفينا كملت، وبناتي ما قادرات يتحملن يشوفن أبوهن كدا، كل يوم واحدة تجيني وتقول لي دايرة أخلي الجامعة وأشتغل أساعدكم، القراية سندهم في الزمن الصعب ما بقدر أحرمهم منها عشان ظروفنا كنا مستورين والحمد لله إلا المرض شين، واحنا راضيين بحكم ربنا.

لم أدر هل كان فهمي ثقيلا فلم أستوعب ما قالت، أم أنه أبشع من أن يصدق؟

كيف تتعطل أجهزة بمركز كامل في وقت واحد، وكيف لم تتم صيانتها إلى الآن أين سيذهب المرضى؟ ومن يتحمل ذنب من فقدوا أرواحهم؟

لا يبدو أن الأمر سهل، إلهي أعني وثبت أقدامي.

تمتمت في أسى، ودعت السيدة ووعدتها بأنني أهتم بالموضوع، غادرت وهي تدعو لي بالتوفيق وقالت أنها ستنتظر أن تقرأ التحقيق عن الموضوع قريبا.

 

الصورة الباهتة

وجوه واجمة، أجساد متألمة، نفوس صابرة وراضية بقضاء الله، مترقبة لفتحه وتفريج منه للكربة التي أصابتهم.

تلك حصيلة ما خرجنا به من زيارة خاطفة لمركز غسيل الكلى، الذي توقفت كل أجهزته عن العمل قبل شهرين من الآن، ولا تبدو هناك أية بوادر تدل على انفراج الأزمة قريباً.

مرضى الفشل الكلوي، في استطلاعاتنا السريعة معهم أكدوا أنها لم تكن المرة الأولى التي يشهد فيها المركز هذا التعطيل ولكن هذه المرة طال الأمد عليهم دون أي بارقة أمل.

مرضى من أعمار مختلفة رجالا ونساء وأطفالا تقرأ في عيونهم الإنهاك والهموم، وفي عيون ذويهم الخوف والحيرة وضيق ذات اليد.

لا يمكنك عزيزي القارئ أن تتصور حجم المأساة إلا أن تكون واحدا منهم(لا قدر الله) أو ترى ذلك بنفسك في زيارة خاطفة، لن يأخذ منك الأمر دقائق لتدرك فداحة الوضع..

الحالة النفسية لهؤلاء المرضى وذويهم أسوأ ما يكون في ظل ما يعيشونه من إهمال وتقصير، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

هذه قراءة سريعة نبثها على لسان المتأثرين علها تجد أذنا صاغية وعقولا واعية، على أن نعاود النشر في هذا الموضوع حينما تتوفر لنا الحقائق واضحة وجلية، ونعدكم بأننا سنكون صوت الحق الذي تثقون به.

تقرير:ليلى محمود سليمان

ما إن تم نشر التقرير حتى صارت هذه القضية شغلي الشاغل، تكررت زياراتي للمركز، سألت كل من يقابلني فيه عن أية معلومات، تحريت عن الأجهزة ومصدرها، حاولت الإطلاع على التقارير الفنية الخاصة بالأجهزة قابلت عددا من المهندسين.

أيام وأسابيع من البحث المضني حتى تبينت لي رائحة الفساد من بين ثنايا القضية،

علمت أن مواصلتي بها قد تجلب لي المتاعب..

تذكرت ما حدث قبل سنوات في مكتب سليم، والصفقة التي تسرب عفنها إلى أنفي من قريب.

هل هي لعنة لحقت بي من عطبرة ، وهل كانت تلك السيدة هي ساحرة في هيئة عجوز، جاءت لتزج بي إلى قدري المحتوم.؟

 

الفصل الثامن

لوليم

دخلت زميلتنا هبة إلى المكتب تمسك أوراقاً بيدها وهي تضحك، فنظرنا إليها أنا وطارق ودون أن نسألها أحسّت بالفضول الذي يقفز قفزا من وجوهنا:

- إسم غريب جداً، يا ربي دا يكون اسم معبد ولا مدينة اسبانية ولا شنو بالضبط، اسم "لوليم" دا سمعتو بيهو قبل كدا يا جماعة؟

تجمد الدم في عروقي والاسم يطرق أذني ، قال طارق متسائلا:

- لوليم؟ جبتيهو من وين الإسم دا؟

- دا اسم شركة استثمار دي اوراقهم الفي يدي، عايزين ينزلو عندنا اعلان.

فقال طارق :

- غريب لكن الإسم، يلا جماعة بلا لوليم ولا تسنيم، أنا حأموت من الجوع الساعة ماشة على واحدة ظهر، دا ما كلام دا يلا على الكافتيريا عازمكم الليلة وأمري لله.

- دا الكلام الصاح، أنا ذاتي ما حأقدر أركز وأنا لسة ما فطرت، يلا يا ليلى.

- لا امشو انتو أنا شربت شاي لبن ببسكويت وما حاسة بالجوع.

- يادي الشاي بتاعك دا، يا بت قومي دي عزومة، طارق ما بعملها كتير.

- لا والله بالهنا، اتفضلو إنتو أنا كدا تمام.

غادرا المكتب وأنا روحي غادرتني خمس مرات وعادت إليّ ثانية، شيء ما يهمس في أذني أن ألقي نظرة على الأوراق بمكتب هبة، قاومت تلك الهمسات لدقائق فقط ولكنني لم أفق إلا والأوراق بين يدي قلبتها في لهفة واضطراب، لا أعرف ما الذي أريده بالضبط إلا أن لمحت الخطاب الذي يحمل اسمه وتوقيعه، أردت أن أرى حروف اسمه ربما خط يده، أخذت الأوراق ونسختها على آلة التصوير وأعدتها، وضعت النسخة في درج مكتبي لا أدري ما الذي سأفعله بها.

منذ لقائي الثاني بسهير عندما زارتني وطيفه يراودني معاتبا ولائماً، تراودني الأحلام به، مكسور الخاطرومرهق الملامح، ولا بريق بعينيه، ترى هل أخطأت حين تركته يذهب هكذا؟

أم هو الذي تركني؟

سيأخذني التفكير كالعادة إلى جدل بيزنطي، السؤال فيه:

من كان المخطئ؟

والإجابة فيها تدور حول نفسها وتعود لنقطة البداية.

كلما تذكرت كلمات والدته عن أنه لن يعود حفاظا على كرامته، أدركت أن كثيرا من الحب يوأد تحت مسمى الكرامة والكبرياء.

من سيهزم من؟ ومن سيحني رأس قلبه ويقبل قلب الآخر؟

كيف لإحساس اسمه الحب بكل هذا الحجم أن يتقزم أمام هاتين الكلمتين.

الله يعلم أنه ما كان لأي شيء في الكون ليطغى على إحساسي به، أدرت ظهري له وكنت أمل أن يوقفني عنوة، أن يتمسك بحبي له وحبي لمصلحتنا وحرصي على نقاء مستقبلنا من الشوائب.

غريب أن يفترق اثنان وجذوة عشقهما في قمة اشتعالها، ما بقي لها إلا القليل لتتوج إلى أقدس رباط وأوثق عهد.

لطالما اعتبرت أن الزواج هو مشروع وعقد شراكة، ففيه ستستثمر فيه عمرك المقبل، ستسكب فيه خلاصة تجاربك في الحياة، ستنتج للحياة أبناء يصبحون إضافة للعالم لا عبئا عليه، تكون لهم شعلة في الطريق يدركون أنها ستنطفئ يوما ما ولكنك ستكون قد علمتهم كيف يوقدون مشاعلهم الخاصة، لن تلقنهم كيف يعيشون حياتهم ليصبحوا نسخة منك إنما تفتح عقولهم وتتركهم يشقون طريقهم بأنفسهم.

أجمل ما قرأته عن الزواج هي مقولة للكاتب وائل عادل:

" أما الزواج فهو الحاجز الكبير الذي يمنعك من الانعتاق من نظام الحياة التقليدي، وبناء هذا الحاجز بمحض إرادتك يعني أنك قررت أن تغلق عليك بوابة مغارة نظام الحياة القديم، فلا أمل في أن يفتح الباب، ولا أمل في تذكر كلمة السر.. سمسم!!

اللهم إلا إن كان الاختيار قائما على أساس كسر نمط الحياة من خلال برنامج عملي متفق عليه من الطرفين وليس شعارات رومانسية، أن يكون البرنامج الجديد للحياة هو المهر والخطة ".

أحببت في سليم كل شئ، هدوءه، رقته، حبه لوالدته، وحتى مزاحه الثقيل أحيانا، فقد كنت قد كتبت مقولة وائل عادل هذه في رسالة نصية وأرسلتها إليه ولكنه لم يرد عليها، وانتظرت لأكثر من ثلاث ساعات، وليس من عادته ألا يرد على رسائلي لكل هذا الوقت فاتصلت به:

- سليم.

- نعم ياروح سليم.

- أنت مشغول.

- أيوة شوية.

- بتعمل في شنو؟

- عندي شغل مهم بعمل فيهو.

- طيب قريت الرسالة؟

- دا وقت رسايلك هسة، أقفلي ولما أفضى بكلمك.

لماذا يحدثني بهذه الطريقة، هل لأنه مشغول سيعاملني هكذا، لا أتقبل منه أن يكون جافا هكذا، لو أخبرت أمي لضحكت علي وقالت أين هذا الجفاف الذي تتحدثين عنه إنه يعمل ولا يريد لشيء أن يشتت انتباهه، هي لا تعلم كم هو لطيف معي، أنا وحدي أعرف، أعرف أن محادثته لي هكذا قسوة تامة، لن أسامحه أبدا، ماذا لو تزوجنا وأصبح عمله متوسعا أكثر، هل سيصرخ في وجهي.؟

قضيت اليوم بطوله حانقة عليه عزمت ألا أرد على اتصالاته إذا اتصل أو أي رسالة منه، ولكن حنقي ازداد حين لم يحاول أصلا محادثتي.

دخلت أمي غرفتي وأخبرتني أن سليم ينتظرني بغرفة الضيوف، يا له من مخادع!
 
يعلم تماما أنه أغضبني، ويعلم أنني حين أغضب قد لا أجيب محادثة منه ولكنني لن أرفض رؤيته، ماكر هذا السليم.

- أنتي زعلانة صح.

-.................

- والله ما كنت فاضي.

-..................

- يابت بقول ليك ما كنت فاضي.

- ماتقول يا بت.

أخذ يضحك حتى دمعت عيناه:

عارف إنها بتغيظك، لكن دي الطريقة الوحيدة اللي حاقدر أنطقك بيها.

جاء نحوي وجلس بجانبي في السرير وقرص خدي برفق ثم قال:

- طيب أعمل شنو يا عمري، بعد رسالتك الرسلتيها لازم أكون مشغول، كنت بكتب في الخطة بتاعة زواجنا...

ضحكت من أعماقي، وبدل أن يصالحني هو اضطررت لأن أصالحه وأراضيه لسوء ظني به كما قال.

وطلبت منه أن يكف عن إخافتي هكذا، أخبرته أنني أخاف حين يتغير على فسأشعر أنه لم يعد يحبني، أخبرته أن مزحة من مزحاته هذه قد توقف قلبي أو تصيبني بشلل.

وضع يدي بين راحتي يديه وأخذ يقول:

" ليلى يمكن للحب أن يقودك إلى هاوية تنظر أسفلها وتعلم أنك واقع لا محالة وقلبك يصيح: لا سوف تفعلها سوف تستطيع المشي فوق حبل الهواء والعبور إلى الجهة الأخرى من الوادي حيث من تحب، سيقول لك لا تخف أبدا وإن زلت قدماك عن الحبل فتمسك بالسحاب، فتسير مغمض العينين فاردا يديك كطائر صغير يتعلم الطيران، يصدقك القلب قوله فتسير على اللاشيء وطيف الحبيب يراود خيالك فتبتسم، قد يخونك طيفه ويركض بعيدا عنك فيعتريك الخوف وتسرع محاولا اللحاق به فيختل توازنك وتسقط وأنت مبتسم، هو الخوف من خانك وليس الحب، فالحب لا يزال على الجانب الآخر أخضرا عذبا وبكرا، كم يا ترى عدد الذين عبروا إلى هناك؟ كم عدد الذين قبعوا أسفل الوادي هناك، هل اخضرت الأرض بحبهم؟

هل سامحوا أطياف أحبتهم وغفروا لها؟

ربما، ،

" أنا لا أعرف عن ذلك شيئاً كل الذي أعرفه أنني أريد العبور.."

أثلجت عباراته تلك صدري بعد أن كدرني بمزاحه الثقيل..

ركضت إلى زهورنا أسقيها بعد أن غادر، أريدها أن تتفتح أكثر كما تفتحت أزهار صدري، طرت إلى غرفتي فرحا وفتحت جهاز التسجيل فصدح صوت ماجدة الرومي عالياً:

عيناك ليالٍ صيفية ورؤىً وقصـــــائد ورديـــــة

ورسائل حبٍ هاربةٌ من كتبِ الشوقِ المنسيةْ

ورسائل حبٍ هاربةٌ من كتبِ الشوقِ المنسيةْ

ورحت أدور على صوت ماجدة في الغرفة كطفلة مزهوة بفستان جديد، غريب كيف أن كلمات ممن تحب قد تصالحك مع الدنيا بأسرها..

من أهداني تلك الفرحة يوما هو ذات الذي أهداني تأشيرة الرحيل إلى عالم الأحزان بلا عودة، اشتقت إلى مزاحه ذاك.

هل فراقنا هذا مزحة سخيفة منه أيضاً؟؟

يا ليته يكون!

طردت الخواطر بعيدا ورحت أكمل كتابة تقريري بشأن تحقيق أجهزة غسيل الكلى...

 

*****

 

تجاوبا مع رغبة القراء في معرفة الحقائق عما تم نشره في تقرير سابق عن تعطل أجهزة مركز غسيل الكلى، قمنا ببعض التحريات الخاصة والدقيقة لجمع المعلومات من مصادر موثوق بها.

مع العلم أنه حتى كتابة هذه الأسطر لا يزال مرضى الفشل الكلوي يعانون من جراء التوقف الكامل للمركز.

طرق الكثيرون منهم أبواب ديوان الزكاة وفاعلي الخير طلبا للمساعدة على تكاليف الغسيل في المراكز الخاصة، ولكن هي ثلاث جلسات في الاسبوع يراق فيها ماء وجههم، وتمد فيها أياديهم متسولة حقها في البقاء على قيد الحياة.

أفادتنا إدارة المركز بأن وزارة الصحة قد أوكلت مهمة صيانة الأجهزة إلى إحدى الشركات الكبيرة، ولقد فشلت الشركة في جلب الإسبيرات في الموعد المحدد مما أدى إلى تعطل الأجهزة بشكل كامل.

وعن الأجهزة نفسها توصلنا من خلال التحريات إلى أن الأجهزة نفسها مخالفة للمواصفات، وذلك مما أدى إلى تكرار تعطلها من حين إلى آخر.

وعن تفاصيل الصفقة توريد تلك الأجهزة نتعهد للقراء الكرام بالتثبت مما أدلى به بعض العاملين عن وجود شبهة فساد إداري ومالي في الأمر.

ما إن يتبين لنا ذلك نعدكم بنشر التفاصيل كاملة والحقائق غير منقوصة.

تقرير:

ليلى محمود

 

الفصل التاسع

رن جرس هاتف مكتبي اتصل المدير بمكتبي وأبلغني أنه يريدني في الحال.

دخلت عليه فأشار لي بالجلوس:

- ليلى يا بتي، موضوع الأجهزة دا حنقفلو، أنسي القضية دي خلاص.

- كيف يا أستاذ بعد ما وصلت للنقطة دي؟

بدون كلام كتير ونقاش دا قراري وما حأتراجع فيهو..

-لا يا أستاذ حأناقش لغاية ما أقنعك او تقنعني. مفروض يكون دا قراري في الأول ودي مسئوليتي

- وأنا مسئوليتي أخاف عليك.. صراحة يا ليلى الموضوع دا شائك وحتجينا من وراهو مصايب كتيرة لغاية هنا وكفاية.

- والناس المنتظرة الحقيقة؟ الناس المعلقة بين الموت والحياة وما عارفة مصيرها؟..

- يا بتي أهدي شوية أكيد الحق حيظهر وإنتي عملتي العليك، الناس البتفتشي وراهم ديل ما ساهلين وممكن يصيبوك بأذى، يا بتي الناس ديل ما بغلبهم حاجة.

- وأنا ما بيغلبني أكشفهم.

- إنتي عارفة إنو ممكن بإشارة منهم يقفلو الجريدة..

- أيوااا قول كدا، ، آمال فين حرية الصحافة والسلطة الرابعة ولا هي شعارات وخلاص، قول إنك خايف على الجريدة.

- وخايف عليك كمان، إنتي صحفية مميزة ومجتهدة، خايف مستقبلك يتدمر وانتي ممكن تنجزي في مواضيع تانية، أمسكي قضايا اجتماعية تانية، ما القضايا مالية البلد، قضايا التحرش مثلا وعواقبه على الشباب والبنات، التسول وآثره على المجتمع، المخدرات و.....

- أستاذي العزيز، مئات الصحفيين قبلي كتبوا عن المواضيع دي وحيجي آلاف غيرهم برضو يكتبو، وما حيتغير شيء عارف ليه؟

لأنهم بيتكلمو عن أعراض وسايبين المرض ينهش في جسم البلد، بيحاولوا يسكنوا آلامو ببندول والسرطان بياكل جسمو من جوة، الفساد يا أستاذ هو أس البلاوي والمصايب، رشوة، ابتزاز، محسوبية واختلاس.

بدل ما نقول شنو الأسباب الخلت التسول ينتشر نقول كيف حيأثر على المجتمع؟

بدل ما نعنف الشباب على التحرش والمخدرات لازم نعرف الدوافع الخلتم يلجأوا ليها ونحاول نعالجها، شباب أعمارهم فاتت الثلاثين وهم ما لاقين وظائف وما قادرين يتزوجوا، ، شنو منتظر منهم المجتمع..؟؟

ممكن تستغني عن خدماتي يا أستاذ، بس ما حتخليني استغنى أبدا عن مبادئي، ، عن إذنك.

غادرت مكتبة، دخلت إلى المكتب وعيون هبة وطارق تنظران إلي.

- كنتو عارفين عايزني في شنو صح؟

- هو قال لينا ننصحك بس فضلنا إنو يتكلم معاك شخصيا عشان تقتنعي.

- أقتنع بشنو؟

- خليك منطقية وفكري في نفسك شوية